الرئيسيةالمنشوراتبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 سورة الفجر

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نوراي

avatar

المساهمات : 1915
تاريخ التسجيل : 02/12/2017

مُساهمةموضوع: سورة الفجر   الخميس 9 أغسطس 2018 - 17:48

سورة الفجر

هي مكية، وآياتها ثلاثون، نزلت بعد سورة الليل.

ومناسبتها لما قبلها.

( ١ ) أنه ذكر في تلك الوجوه الخاشعة والوجوه الناعمة، وذكر في هذه طوائف من المكذبين المتجبرين الذين وجوههم خاشعة، وطوائف من الذين وجوههم ناعمة.

( ٢ ) أن القسم الذي في أول السورة كالدليل على صحة ما تضمنته خاتمة السورة السابقة من الوعد والوعيد.

بسم الله الرحمن الرحيم

والْفَجْرِ ( ١ ) وَلَيالٍ عَشْرٍ ( ٢ ) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ( ٣ ) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ( ٤ ) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ( ٥ )

الإيضاح

( وَ الْفَجْرِ ) الفجر هو الوقت الذي ينشق فيه الضوء، وينفجر النور، وقد أقسم ربنا به، لما يحصل فيه من انقضاء الليل، وظهور الضوء، وما يترتب على ذلك من المنافع كانتشار الناس وسائر الحيوان من الطير والوحش لطلب الرزق، وهو كقوله: « وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ » وقوله: « وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ».

( وَ لَيالٍ عَشْرٍ ) هي عشر ليال يتشابه حالها مع حال الفجر، فيكون ضوء القمر فيها مطارد الظلام الليل إلى أن تغلبه الظلمة، كما يهزم ضوء الصبح ظلمة الليل حتى يسطع النهار، ولا يزال الضوء منتشرا إلى الليل الذي بعده.

وضوء الأهلة في عشر ليال من أول كل شهر يشق الظلام، ثم لا يزال الليل يغالبه إلى أن يغلبه، فيسدل على الكون حجبه، وهذه الليالي العشر غير متعينة في كل شهر فإن ضوء الهلال قد يظهر حتى تغلبه الظلمة في أول ليلة من الشهر.

وقد يكون ضئيلا يغيب ضوؤه في الشفق فلا يعدّ شيئا.

والخلاصة - إن الليالي العشر تارة تبتدئ من أول ليلة، وأخرى من الليلة الثانية.

( وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ ) أي والزوج والفرد من هذه الليالي فهو سبحانه أقسم بالليالي جملة ثم أقسم بما حوته من زوج وفرد.

وبعد أن أقسم بضروب من الضياء أقسم بالليل مرادا منه الظلمة فقال:

( وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ) أي والليل إذا يمضى ويذهب، وهو كقوله: « وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ » وقوله: « وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ».

ونعمة الله على عباده بتعاقب الليل والنهار واختلاف مقاديرهما بحسب الأزمنة والفصول - مما لا يجحدها إلا مكابر، لا جرم أقسم ربنا بهما تنبيها إلى أن تعاقبهما بتدبير مدبر حكيم، عالم بما في ذلك من المصلحة لعباده.

انظر إلى ما في إقبال الصبح من عميم النفع، فإنك لترى أنه يفرج كربة الليل وينبه إلى استقبال العمل، وكذلك تدرك ما في الليالي المقمرة من فائدة، فهي تستميل النفس إلى النّقلة، وتيسر للناس النّجعة، وبخاصة في أيام الحر الشديد في بلاد كبلاد العرب.

وكذا نعرف ما في الظلام من منفعة، فإن فيه تهدأ النفوس، وتسكن الخواطر وتستقر الجنوب في مضاجها، لتستريح من عناء العمل، وتستعين بالنوم على إعادة القوى، وتختفى الناس من مطاردة اللصوص، ولله در المتنبي حيث يقول:

وكم لظلام الليل عندك من يد تخبّر أنّ المانوية تكذب

ثم قرر فخامة الأشياء التي أقسم بها قبل، وكونها أهلا لأن تعظم فقال:

( هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ) الحجر ( بكسر الحاء و سكون الجيم ) العقل، و يقولون: فلان ذو حجر: إذا كان قاهرا لنفسه، ضابطا لها، مضيّقا عليها.

و المراد أن من كان ذا لبّ و عقل يفطن إلى أن في القسم بهذه المخلوقات المشتملة على باهر الحكمة، و عجيب الصنعة، الدالة على وحدانية صانعها - مقنعا أيّما مقنع، و كفاية أعظم كفاية.

و جاء الكلام بصورة الاستفهام لتأكيد المقسم عليه و تقريره، كما تقول لمن يحاجّك في أمر ثم تقيم له الحجة الناصعة التي تثبت ما تدّعى: هل فيما ذكرت لك كفاية، و مرادك إني قد ذكرت لك أقوى الحجج و أبينها، فلست تستطيع جحد ما قلت بعد هذا.

و جواب القسم محذوف يدل عليه قوله بعد: « أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ » الآية، و يقدر بنحو قوله إن ناصية المكذبين بيدي، و لئن أمهلتهم فلن أهملهم، ولآخذنهم أخذ الأمم قبلهم، وقد ترك لتسترسل نفس القارئ في تأمل ما مضى و ما يتبع ليجد الجواب بينهما، فيتمكن المعنى لديه فضل تمكن.

[سورة الفجر : الآيات ٦ الى ١٤ ]
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( ٦ ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( ٧ ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ( ٨ ) وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ( ٩ ) وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ( ١٠ ) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( ١١ ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ( ١٢ ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ( ١٣ ) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( ١٤ )

شرح المفردات

عاد: جيل من العرب البائدة يقولون إنه من ولد عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، ويلقب أيضا بإرم، وذات العماد: أي سكان الخيام، و كانت منازلهم بالرمال والأحقاف إلى حضرموت. و ثمود: قبيلة من العرب البائدة كذلك و هي من ولد كاثر بن إرم بن سام، ومنازلهم بالحجر بين الشام و الحجاز، جابوا الصخر: أي قطعوه و نحتوه، بالواد: أي الوادي الذي كانوا يسكنون فيه، و فرعون: هو حاكم مصر الذي كان في عهد موسى عليه السلام، و الأوتاد: المباني العظيمة الثابتة، و الطغيان: تجاوز القدر في الظلم و العتوّ، و صب: أي أفرغ و ألقى، وسوط عذاب: أي أنواعا من العقوبات التي أنزلها عليهم جزاء طغيانهم، و المرصاد: هو المكان الذي يقوم فيه الرصد، و الرصد من يرصد الأمور: أي يترقبها ليقف على ما فيها من الخير و الشر، و يطلق أيضا على الحارس الذي يحرس ما يخشى عليه.

المعنى الجملي

بعد أن أقسم سبحانه أنه سيعذب الكافرين جزاء كفرهم و إصرارهم على مخالفة أوامره - شرع يذكر بعض قصص الأمم السالفة ممن عاندوا الله ورسوله و لجوا في طغيانهم فأوقع بهم شديد العذاب و أخذهم أخذ العزيز الجبار، ليكون في ذلك زجر لهؤلاء المكذبين. و تثبيت للمؤمنين الذين اتبعوا الرسول و ناصروه، و تطمين لقلوبهم بأن أعداءهم سيلقون ما يستحقون من الجزاء.

الإيضاح

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ؟ ) أي ألم تعلم أيها الإنسان، كيف أهلك ربك عادا الأولى الذين كانوا أشد الناس أجساما و أطولهم قامة، و أرفعهم مكانة، و الذين لم يخلق في البلاد كلها مدينة كمدينتهم.

( وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ) أي وثمود الذين قطعوا الصخر و نحتوه و بنوا منه القصور و الأبنية العظيمة كما قال في آية أخرى: « وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ ».

و في هذا دليل على ما أنعم الله به عليهم من القوة و العقل و حسن التدبير.

( وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ) أي و فرعون ذي المباني العظيمة التي شادها هو و من قبله من فراعنة مصر في قديم الأزمان كالأهرام و غيرها و ما أجمل التعبير عما تركه المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد، فإن شكل هياكلهم العظيمة شكل الأوتاد المقلوبة، إذ يبتدئ البناء عريضا وينتهى بأدق مما بدأ.

ثم وصف من سبق ذكرهم بأقبح الأوصاف فقال:

( الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ) أي هؤلاء الذين سلف ذكرهم من عاد و ثمود و فرعون قد استعملوا سلطانهم و قوتهم في هضم حقوق الناس، و اغتروا بعظيم قدرتهم، فكانوا سببا في إفساد البلاد.

ذاك أن من اغتر بنفسه و تهاون بحقوق غيره و اعتدى عليها، و أخذ ما ليس له و لم يعط الذي عليه - يكون قد فكك شمل الجماعة و أفسد في البلاد، فيختل نظام العمران، و يقف دولاب التعامل، و يوجس كل امرئ خيفة من بنى جلدته، و لا شك أن أمما هذه حالها تكون عاقبتها الخراب و الدمار، و من ثم ذكر عاقبة أمرها فقال:

( فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ) أي فأنزل الله تعالى بهم ألوانا من البلاء، و شديد العقاب.

و قد شبه سبحانه ما أوقعه بهم من صنوف العذاب، و ما صبّه عليهم من ضروب الهلاك - بالسوط، من قبل أن السوط يضرب به في العقوبات، و الله يوقع العذاب بالأمم عقوبة لها على ما يقع منها من أنواع التفريط في أوامر دينه.

ثم ذكر العلة في تعذيبه لهم فقال :

( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) أي إن شأن ربك ألا يفوته من شئون عباده نقير و لا قطمير، و لا يهمل أمة تعدّت في أعمالها حدود شرائعه القويمة، بل يأخذها بذنوبها أخذ العزيز المقتدر ، كما يأخذ الراصد القائم على الطريق من يمر به بما يريد من خير أو شر، لا يفرّط فيما رصد له .

و قد أجمل الله في هذه الآيات ما أوقعه بهذه الأمم من العذاب ، و فصله في غير موضع من كتابه الكريم ، فقال في سورة الحاقة : « فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ . سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا . فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ . فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ » و قال : « وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ . فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً » .

و الحكمة في تكرار القصص في القرآن الكريم ، و في ذكر بعضها على طريق الإشارة في بعض المواضع ، و بالتفصيل في بعض آخر - أنه قد يكون الغرض تارة إقامة الحجة على قدرته تعالى ، و توحده في ملكه ، وقهره لعباده حينا ، وترقيق قلوب المخاطبين حينا آخر ، و إنذار عباده و إعذارهم مرة ثالثة ، و لا شك أن كل مقام من الكلام له لون منه من بسط أو إيجاز لا يكون لغيره.

و قد عرفت أن الغرض هنا تطييب خاطر الرسول صلى الله عليه و سلم و أصحابه بأن الله سيمهل الكافرين و لا يهملهم ، و هو ليس بغافل عنهم ، و حينئذ تدرك أن الإشارة إلى أن هذه الأمم أخذت و عذبت و لم تترك سدى - كافية جدّ الكفاية لمن فكر وتدبر .

[سورة الفجر : الآيات ١٥ الى ١٦ ]
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( ١٥ ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( ١٦ )

شرح المفردات

ابتلاه: أي اختبره ببسط الرزق و إقتاره ، فأكرمه : أي صيره مكرما يرفل في بحبوحة النعيم ، قدر عليه رزقه : أي صيره فقيرا مقترا عليه في الرزق ، تقول قدرت عليه الشيء : أي ضيقته عليه ، و كأنك جعلته بقدر لا يتجاوزه كما قال تعالى : « وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ ».

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه أنه لا يفوته من شأن عباده شيء ، و أنه يأخذ كل مذنب بذنبه - أردف ذلك ذكر شأن من شئون الإنسان ، و بين أنه لا يهتم إلا بأمور الدنيا و شهواتها ، فإذا أنعم الله عليه و أوسع له في الرزق ظن أنه قد اصطفاه ورفعه على من سواه و جنبه منازل العقوبة ، فيذهب مع هواه و يفعل ما يشتهى ، و لا يبالى أكان ما يصنع خيرا أم شرا ، فيطغى و يفسد في الأرض ، و إذا ضيق عليه الرزق ( و قد يكون ذلك لتمحيص قلبه بالإخلاص أو لتظهر قوة صبره ، فإن الفقر لا يزيد ذوي العزائم إلا شكرا ) يقول ربى قد أهاننى ، و من أهانه الله و صغرت قيمته لديه لم يكن له عناية بعمله ، فكيف يؤاخذه بما يصدر منه من شر ، أو يكافئه على ما يصنع من خير ، فلا شكره يكافأ بإحسان ، و لا كفره يجازى بعقوبة ، فينطلق يكسب عيشه بأى وسيلة عنّت له ، و لا تحجزه شريعة ، و لا يقف أمام قانون ، و يسلك سبيل الجبارين ، و يبخس الحقوق ، و يفسد نظم المجتمع ، و لا تزال أحوال الناس هكذا كما وصف الله فأرباب السلطان يظنون أنهم في أمن من عقاب ربهم ولا يذكرونه إلا بألسنتهم ، و لا يعرف له سلطان على قلوبهم، و الفقراء الأذلاء صغرت نفوسهم عند أنفسهم، لا يبالون ماذا يفعلون ؟

الإيضاح

( فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ) أي إن الإنسان إذا أنعم الله عليه و أوسع له في الرزق - زعم أن هذا الذي هو فيه من السعة - إكرام من الله له ، و خيّل إليه الوهم أن الله لا يؤاخذه على ما يفعل ، فيطغى و يفسد في الأرض .

( وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ) أي و إن رأى أن رزقه لا يأتيه إلا بقدر ظن أن ذلك إهانة من الله له و إذلالا لنفسه.

و الإنسان في الحالين مخطئ مرتكب أشنع وجوه الغفلة ، لأن إسباغ النعمة في الدنيا على أحد لا يدل على أنه مستحق لذلك ، و لو دل على هذا لما رأيت عاصيا موسعا عليه في الرزق ، و لا شاهدت كافرا ينعم بصنوف النعم .

و لعل من حكمة الله في بسط الرزق على بعض الناس و تضييقه على بعض آخر أن وجدان المال سبب للانغماس في الشهوات ، و أنه قاطع عن الاتصال بالله ، و أن فقدانه وسيلة لتمحيص المرء و ابتلائه ليكون من الصابرين الذين و عدوا بالجنة.

انظر إلى قول النبي صلى الله عليه و سلم فيما كان يدعو به ربه من قوله : « اللهم أحيني مسكينا ، و أمتني مسكينا ، و احشرني في زمرة المساكين » تدرك سر ذلك.

إلى أن من يمتحنهم الله بإسباغ النعمة عليهم يظنون أن الله قد اصطفاهم على عباده و رفعهم فوق سائر خلقه ، ثم لا يزال بهم شيطان الغواية حتى يذهبوا مع أهوائهم كل مذهب ، و يسيروا في طريق شهواتهم المهلكة إلى أبعد غاية ، لا يرجعون إلى ربهم ، و لا يدركون أن ما عنده خير و أبقى .

[سورة الفجر : الآيات ١٧ الى ٢٠ ]
كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( ١٧ ) وَ لا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( ١٨ ) وَ تَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا ( ١٩ ) وَ تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( ٢٠ )

شرح المفردات

و لا تحاضون: أي لا يأمر بعضكم بعضا ، و التراث : الميراث ، لمّا : أي شديدا ، جمّا : أي كثيرا قال :

إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا * * * و أي عبد لك لا ألمّا

المعنى الجملي

بعد أن بين خطأ الإنسان فيما يعتقد إذا بسط له الرزق أو قتر عليه - أردف ذلك زجرهم عما يرتكبون من المنكرات ، و أبان لهم أنه لو كان غنيهم لم يعمه الطغيان ، و فقيرهم لم يطمس بصيرته الهوان ، و كانوا على الحال التي يرتقى إليها الإنسان - لشعرت نفوسهم بما عسى يقع فيه اليتيم من بؤس ، فعنوا بإكرامه فإن الذي يفقد أباه معرّض لفساد طبيعته إذا أهملت تربيته ، و لم يهتم بما فيه العناية به و رفع منزلته ، و لو كانوا على ما تحدثهم به أنفسهم من الصلاح لوجدوا الشفقة تحرك قلوبهم إلى التعاون على طعام المسكين الذي لا يجد ما يقتات به مع العجز عن تحصيله ، إلى أنهم يأكلون المال الذي يتركه من يتوفى منهم، و يشتدون في أكله حتى يحرموا صاحب الحق حقه و يزداد حبهم للمال إلى غير غاية .

و صفوة القول - إن شرههم في المال ، و قرمهم إلى اللذات ، و انصرافهم إلى التمتع بها ، ثم قسوة قلوبهم إلى ألا يألموا إلى ما تجر إليه الاستهانة بشئون اليتامى من فساد أخلاقهم ، و تعطيل قواهم . و انتشار العدوى منهم إلى معاشريهم . فينتشر الداء في جسم الأمة - دليل على أن ما يزعمون من اعتقادهم بإله يأمرهم و ينهاهم ، و أن لهم دينا يعظهم ، زعم باطل ، و إذا غشّوا أنفسهم وادّعوا أنهم يتذكرون الزواجر ، و يراعون الأوامر ، فذلك مقال تكذبه الفعال .

الإيضاح

( كَلَّا ) أي لم أبتل الإنسان بالغنى لكرامته عندي ، و لم أبتله بالفقر لهوانه علي ، فالكرامة و الإهانة لا يدوران مع المال سعة وقلة ، فقد أوسّع على الكافر لا لكرامته ، و أضيّق على المؤمن لا لهوانه ، و إنما أكرم المرء بطاعته ، وأهينه بمعصيته ، و قد أوسع على المرء بالمال لأختبره أيشكر أم يكفر ؟ و أضيق عليه لأختبره أيصبر أم يضجر ؟

ثم انتقل كلامه سبحانه و تعالى من ذمهم بقبيح الأقوال إلى النعي عليهم بقبيح الأفعال فقال :

( بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ) أي بل لكم أفعال و أحوال شر من أقوالكم تدل على تهالككم على المال ، فقد يكرمكم الله بالمال الكثير فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم و بره و الإحسان إليه و قد جاء في الحديث الحث على ذلك.

فلقد قال صلى الله عليه وسلم : « أحب البيوت بيت فيه يتيم مكرم » وورد أيضا: « أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنة » و قرن بين أصبعيه الوسطى و التي تلى الإبهام.

قال مقاتل : أنزلت الآية في قدامة بن مظعون و كان يتيما في حجر أمية ابن خلف .

( وَ لا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ) أي و لا يحث بعضكم بعضا على إطعامه و إصلاح شأنه ، و إذا لم تكرموا اليتيم و لم يوص بعضكم بعضا بإطعام المسكين فقد كذبت مزاعمكم في أنكم قوم صالحون .

و إنما ذكر التحاضّ على الطعام و لم يكتف بالإطعام ، فيقول و لم تطعموا المسكين - ليبين أن أفراد الأمة متكافلون ، و أنه يجب أن يوصى بعضهم بعضا بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مع التزام كلّ بفعل ما يأمر به أو ينهى عنه .

ثم بين أن إهمالهم أمر اليتيم ، و خلوّ قلبهم من الرحمة بالمسكين لم يكونا زهدا في لذائذ الحياة وتخلصا من متاعبها ، وعكوفا على شئون أنفسهم ، بل جاء من محبتهم للمال فقال :

( وَ تَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا ) أي إنكم تأكلون المال الذي يتركه من يتوفى منكم أكلا شديدا ، فتحولون بينه وبين من يستحقه ، و تجمعون بين نصيبكم منه و نصيب غيركم .

( وَ تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ) أي و تميلون إلى جمع المال ميلا شديدا ، ميراثا كان أو غيره .

و خلاصة ذلك - أنتم تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، إذ لو كنتم ممن غلب عليه حب الآخرة ، لا نصرفتم عما يترك الموتى ميراثا لأيتامهم ، و لكنكم تشاركونهم فيه ، و تأخذون شيئا لا كسب لكم فيه ، و لا مدخل لكم في تحصيله و جمعه ، و لو كنتم ممن استحبوا الآخرة لما ضريت نفوسكم على المال تأخذونه من حيث وجدتموه ، من حلال أو من حرام .

فهذه أدلة ترشد إلى أنكم لستم على ما ادعيتم من صلاح و إصلاح ، و أنكم على ملة إبراهيم خليل الرحمن .

[ سورة الفجر : الآيات ٢١ الى ٢٦ ]
كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ( ٢١ ) وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( ٢٢ ) وَ جِي ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَ أَنَّى لَهُ الذِّكْرى ( ٢٣ ) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ( ٢٤ ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ ( ٢٥ ) و لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ ( ٢٦ )

شرح المفردات

الدكّ: حط المرتفع بالبسط و التسوية و منه اندكّ سنام البعير إذا انغرس في ظهره ، دكا دكا : أي دكا بعد دك: أي كرّر عليها الدك و تتابع حتى صارت كالصخرة الملساء ، صفا صفا : أي صفا بعد صف بحسب منازلهم و مراتبهم في الفضل ، و جىء يومئذ بجهنم : أي كشفت للناظرين بعد أن كانت غائبة عنهم ، و إني له الذكرى؟ أي و من أين له فائدة التذكر و قد فات الأوان ، و الوثاق: الشدّ و الربط السلاسل والأغلال.

المعنى الجملي

بعد أن أنكر عليهم أقوالهم و ادعاءهم أن الغنى إكرام لهم ، و أن الفقر إهانة لهم ، و نعى عليهم أفعالهم من حرصهم على الدنيا و استفراغ الجهد في تحصيلها ، و تكالبهم على جمعها من حلال و حرام - أردفه بيان أن ما يزعمونه من أنهم لربهم ذاكرون مع فراغ قلوبهم من الرأفة بالضعفاء و امتلائها بحب المال و الميل إلى الشهوات - زعم لا حقيقة له ، و إنما يتذكرون ربهم في ذلك اليوم العظيم حين يشهدون الهول . ويعوزهم الحول ، و يظهر لهم مكانهم من النكال و الوبال ، و لكن هذه الذكرى قد فات أوانها ، و انتهى إبّانها ، فإن الدار دار جزاء لا دار أعمال ، فلا يبقى فيها لأولئك الخاسرين إلا الحسرة و الندامة ، و قول قائلهم : « لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي » و يكون لهم من العذاب ما لا يقدر قدره ، و من الإهانة ما يحل عن التشبيه والتمثيل.

الإيضاح

( كَلَّا ) زجر لهم و إنكار لأقوالهم وأفعالهم ، أي لا ينبغي أن يكون هذا شأنهم في الحرص على الدنيا من حيث تتهيأ لهم سواء كانت من حلال أو من حرام ، و كأنهم يتوهمون أن لا حساب و لا جزاء ، و سيأتي يوم يندمون فيه أشد الندم ، و لكن لا تنفعهم الندامة ، و يتمنون لو كانوا أفنوا حياتهم في التقرب إلى ربهم بصالح الأعمال .

ثم بين ذلك اليوم و وصفه بأوصاف ثلاثة فقال :

( ١ ) ( إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ) أي إذا دكت الأرض دكا بعد دك ، و تتابع عليها الدك . ذلك حتى صارت كالصخرة الملساء ، و ذهب كل ما على وجهها من جبال و أبنية و قصور .

( ٢ ) ( وَ جاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) أي و تجلت لأهل الموقف السطوة الإلهية ، كما تتجلى أبّهة الملك للأعين إذا جاء الملك في جيوشه و مواكبه ، ولله المثل الأعلى .

( ٣ ) ( وَ جِي ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) أي و كشفت جهنم للناظرين بعد أن كانت غائبة عنهم .

و نحو الآية قوله : « وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى » أي أظهرت حتى رآها الخلق و عاينوها ، و ليس المراد أنها نقلت من مكانها إلى مكان آخر .

( يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ) أي حينئذ تذهب الغفلة ، و يتذكر المرء ما كان قد فرّط فيه ، و عرف أن ما كان فيه كان ضلالا ، و أنه كان يجب أن يكون على حال خير مما كان عليها .

ثم بين أن هذه الذكرى لا فائدة منها فقال :

( وَ أَنَّى لَهُ الذِّكْرى ) أي و من أين لهذه الذكرى فائدة ، أو ترجع إليه بعائدة و قد فات الأوان ، و حمّ القضاء .

و الخلاصة - إنه إذا حدثت هذه الأحداث انكشفت عن الإنسان الحجب، و وضح له ما كان عليه ، و ذهبت عنه الغفلة ، و إذ ذاك يتمنى أن يعود ليعمل صالحا ، و لكن إني له ذلك ؟

ثم بين تذكره بقوله :

( يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ) أي يتمنى أن يكون قد عمل صالحا ينفعه في حياته الأخروية التي هي الحياة الحقيقية.

ثم بين مآله و عاقبة أمره فقال :

( فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ ) أي فيومئذ لا يصاب أحد بعذاب مثل ذلك العذاب الذي يصيب ذلك الإنسان الذي أبطره الغنى فجحد نعمة الله عليه ، أو أفسده الفقر حتى عثا في الأرض فسادا ، و لا يوثق أحد من الخلائق وثاقا مثل هذا الوثاق الذي يوثقه ذلك الإنسان.

و لا يخفى ما في ذلك من تقوية الذكرى لمن له قلب يذكر ، و وجدان يشعر .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.nouray.com/
 
سورة الفجر
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى نوراي :: المنتدى الإسلامي :: تفسير القرآن الكريم-
انتقل الى: