فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ

    سورة الناس

    نوراي
    نوراي

    المساهمات : 2357
    تاريخ التسجيل : 02/12/2017

    سورة الناس  Empty سورة الناس

    مُساهمة من طرف نوراي في الأربعاء 17 أكتوبر - 19:11

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ (٦)

    شرح المفردات

    رب الناس: أي مربيهم و معلمهم و قائم عليهم بما كسبت أنفسهم، الوسواس: أي الموسوس الذي يلقى حديث السوء في النفس، و الخناس: من الخنوس و هو الرجوع و الاختفاء و الجنة: واحدهم جني، كإنس وإنسي.

    الإيضاح

    (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أمر رسوله- صلى الله عليه و سلم أن يستعين بمن يربى الناس برحمته، و يؤدبهم بعقابه.

    (مَلِكِ النَّاسِ) أي مالكهم و مدبر أمرهم، و واضع الشرائع والأحكام لهم التي فيها صلاحهم و سعادتهم في معاشهم و معادهم.

    (إِلهِ النَّاسِ) أي القاهر فوق الناس بقدرته ، و هم لا يحيطون بكنه سلطانه بل يخضعون بما يحيط منها بنواحي قلوبهم، و لا يدرون من أي جانب يأتيهم، و لا بكيفية سلطانه عليهم .

    وإنما قدم الربوبية، لأنها من أوائل نعم الله على عباده، ثم ثنى بذكر الملكية لأن العبد إنما يدرك ذلك بعد أن يصير عاقلا مفكرا، ثم ثلّث بذكر الألوهية، لأن المرء بعد أن يدرك ويعقل يعلم أنه هو المستوجب للخضوع والعزة والمستحق للعبادة وإنما قال: رب الناس، ملك الناس، إله الناس، وهو رب كل شيء ومالك كل شيء وإله كل شيء من قبل أن الناس هم الذين أخطئوا في صفاته وضلوا فيها عن الطريق السوي، فجعلوا لهم أربابا ينسبون إليهم بعض النعم، ويلجئون إليهم في دفع النقم، ويلقبونهم بالشفعاء، ويظنون أنهم هم الذين يدبرون حركاتهم، ويرسمون لهم حدود أعمالهم.

    و حسبك أن تقرأ قوله تعالى: « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » و قوله تعالى: « وَ لا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُون ».

    و الخلاصة - إنه سبحانه أراد أن ينبه الناس بأنه هو ربهم، و هم أناس مفكرون، و ملكهم و هم كذلك، و إلههم وهم هكذا، فباطل ما اخترعوا لأنفسهم من حيث هم بشر.

    (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ) أي ألجأ إليك ربّ الخلق و إلههم و معبودهم أن تنجينا من شر الشيطان الموسوس الكثير الخنوس و الاختفاء، لأنه يأتي من ناحية الباطل، فلا يستطيع مقاومة الحق إذا صدمه، و لكنه يذهب بالنفس إلى أسوإ مصير، إذا انجرّت مع وسوسته، و انساقت معه إلى تحقيق ما خطر بالبال.

    و هذه الأحاديث النفسية إذا سلط عليها نظر العقل خفيت و اضمحلت.

    و حديث النفس بالفواحش و ضروب الأذى للناس، يذهب هباء إذا تنبهت النفس لأوامر الشرع، و هكذا إذا وسوس لك امرؤ و بعثك على فعل السوء ثم ذكرّته بأوامر الدين يخنس و يمسك عن القول، إلى أن تسنح له فرصة أخرى.

    وقد وصف الله هذا الوسواس الخناس بقوله:

    ( الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ ) أي إن هذا الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور البشر، قد يكون من الجِنة و قد يكون من الناس، كما جاء في قوله تعالى: « وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ » فشيطان الجن قد يوسوس تارة و يخنس أخرى، و شيطان الإنس كذلك، فكثيرا ما يريك أنه ناصح شفيق، فإذا زجرته خنس و ترك هذه الوسوسة، و إذا أصغيت إلى كلامه استرسل و استمر في حديثه و بالغ فيه، و قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: « إن الله عز و جل تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به » رواه أبو هريرة و خرّجه مسلم.

    و إنما جعل الوسوسة في الصدور من قبل أنه عهد في كلام العرب أن الخواطر في القلب، والقلب مما حواه الصدر عندهم، ألا تراهم يقولون: إن الشك يحوك في صدرك، و يجيش في صدرى كذا، و يختلج ذلك بخاطري، و ما الشك إلا في نفسه و عقله، و أفاعيل العقل تكون في المخ، و يظهر لها أثر في حركات الدم و ضربات القلب، و ضيق الصدر و انبساطه.

    قال الأستاذ الإمام: الموسوسون قسمان:

    (١) قسم الجنة و هم الخلق المستترون الذين لا نعرفهم، و إنما نجد في أنفسنا أثرا ينسب إليهم، و لكل واحد من الناس شيطان، و هي قوة إلى الشر نازعة، و يحدث منها في نفسه خواطر السوء.

    (٢) قسم الناس، و وسوستهم ما نشاهده و نراه بأعيننا، و نسمعه بآذاننا.

    و ما أوردوه في خرطوم الشيطان و خطمه و منقاره و جثومه على الصدر أو على القلب و نحو ذلك فهو من قبيل التمثيل و التصوير ا هـ ملخصا.

    و قد بدئت السورة برب الناس، و من كان مربيهم فهو القادر على دفع إغواء الشيطان و وسوستهم.

    و قد أرشدنا ربنا الله في هذه السورة إلى الاستعانة به تعالى شأنه، كما أرشد إليها في الفاتحة للإشارة إلى أن ملاك الأمر كله هو التوجه إليه وحده، و الإخلاص له في القول و العمل و الالتجاء فيما لا قدرة لنا على دفعه.

    اللهم اجعلنا من المخلصين في أعمالنا، و ادفع عنا أذى شياطين الإنس و الجن، و أبعد عنا شر الموسوسين، و قنا عذاب جهنم، و لا تفضحنا يوم العرض.

    و صل ربنا و سلم على محمد و آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الذين ذادوا عن دينك، بقدر ما غرست في قلوبهم من برد اليقين، و أثلجت صدورهم بمحبة هذا الدين.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 24 مايو - 1:18