الرئيسيةالمنشوراتبحـثالتسجيلدخول
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

شاطر | 
 

 تفسير قوله تعالى ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نوراي

avatar

المساهمات : 1608
تاريخ التسجيل : 02/12/2017

مُساهمةموضوع: تفسير قوله تعالى ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾   الخميس 21 ديسمبر 2017 - 9:34

التفسير المطول - سورة التكوير 081 - الدرس (1-2): تفسير الآيات 01-14، كل شيء يتبدَّل وكل حال يزول
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي 

بسم الله الرحمن الرحيم
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الموت حدثٌ مستقبليّ وأعقل إنسان هو الذي يعدُّ لهذه الساعة :
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الأول من سورة التكوير، بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ*وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ *وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ *وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ *وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ *وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ *وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ *وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ *وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ *وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ *وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ *وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ *عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾
 أيها الأخوة المؤمنون، العاقل يعيش المستقبل والأقل عقلاً يعيش الحاضر، والغبي يعيش الماضي:
(( إن أكيس الناس أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً ))
[ أخرجه الحارث عن زيد بن علي ]
 الموت سيأتي مستقبلاً، الموت حدثٌ مستقبليّ، وأعقل إنسان هو الذي يعدُّ لساعة الموت التي لا بد أنها آتية.

الكيِّس هو من ضبطحياته وفق منهج الله :
 قال تعالى:
﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾
[سورة النحل: 1]
 أَتَى" فعل ماض، قال: فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ، معناه لم يأتِ، فكيف أتى ولم يأتِ؟ أي حينما يخبر الله عن شيء يجب أن تأخذه وكأنه وقع، وحينما يُخبِرُ عن شيء في الماضي تأخذه وكأنك تراه، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾
[سورة الفيل: 1]
 ليس هناك إنسان في زماننا شاهد هذه الحادثة، لكنّ الله عز وجل أخبر عنها، إذاً كأنك تراها، والله عز وجل أخبر عن يوم القيامة، إذاً أتى يومُ القيامة فلا تستعجلوه، فمن هو العاقل؟ الكيس بتعريف النبي عليه الصلاة و السلام:
((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ))
[الترمذي عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ]
 إذاً: الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، ضبطها، وضبط دخله، وإنفاقه، وضبط بيته وأسرته، وضبط حواسه وأعضاءه، وضبط لهوه، فلهوُه شرعيٌّ، ضبط أفراحه، وضبط أحزانه، ضبط كل حياته وفق منهج الله:
(( إن أكيس الناس أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً ))
[ أخرجه الحارث عن زيد بن علي ]
 الكيس من دان نفسه أيْ ضبطها:
((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ))
[الترمذي عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ]
 في بعض سفري أُطلِعتُ على لقطات نادرة، آلة تصوير في بناء يصوِّرون حفلاً، فحدث زلزال، المناظر لا تُصدق، الهرج والمرج، وانهيار الأبنية، نشوب الحرائق، ذعر الناس، وهناك لقطات نادرة في العالَم لبعض الزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير، هذه نماذج مصغرة.

ليست البطولة أن نعيش الحاضر فالعالَم كله يعيش الحاضر :
 قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
[ سورة الحج: 1-2]
 حدَّثني أخٌ قال لي: لما حدث زلزال في مصر، زوجتُه من شدة رعبها أمسكت ابنها وخرجت خارج البناء، فلما أصبحت في عرض الطريق نظرت إلى ما تحمله فإذا هو حذاء زوجها، فمن شدة الخوف أخذت حذاء زوجها على أنه ابنها، قال تعالى:
﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾
 فالبطولة لا أن نعيش الحاضر، العالَم كله يعيش الحاضر، العالم كله يعيش لحظته، ويستمتع بالطعام والشراب والنساء والأفلام، ويسهر إلى منتصف الليل، و يلهو ويغتاب وينُم، يفعل كل ما يحلو له، يأكل ما يشتهي، يذهب إلى أيِّ مكان يشتهيه، يجلس مع مَن يشتهي، هذا قد عطَّل فكره.
 أخواننا الكرام، وإن كان مثلاً ذكرته سابقاً ولكنه يفيدنا الآن، أعيد فأذكره لكم: ركبتَ دراجة ووصلت إلى طريقين؛ طريق هابطة، وطريق صاعدة، فراكبُ الدراجة يرتاح في الطريق الهابطة من دون شك، والطريق الهابطة معبَّدة، ومزدانة بالأشجار والرياحين والحدائق، والنسيم عليل، كل شيء في هذا الطريق يدعوك إلى النزول، الطريق الصاعدة فيها أكمات، وفيها حفر، وفيها غبار، وكل شيء في هذه الطريق الصاعدة يدعوك إلى البُعد عنها، ولكن رأيت لوحة صغيرة مكتوب عليها هذه الطريق الصاعدة تنتهي بقصر منيف، وهو مِلكٌ لمن وصل إليه، وهذه الطريق الهابطة تنتهي بحفرة ما لها من قرار، الواقع يدعوك إلى الطريق النازلة، أما كونك إنساناً عندك عقل، وبيان صحيح، فالإنسان العاقل يرفض هذا الواقع المغري ويتجه في الطريق الصاعدة.

العاقل يستخدم عقله والحيوان يستخدم حواسه :
 مثل آخر أوضح: لو أن طريقاً يمتد خمسين كيلومتراً، مكتوب في بدايته: الطريق مغلقة، والطريق سالكة، لكن بعد خمسين كيلو متراً الطريق مغلقة، إنسان يقرأ ويكتب، قرأ اللوحة، فوقف وما أكمل، لو كان مكانه حيوان لسلك، متى يقف الحيوان؟ عند القطع، الإنسان متى يقف؟ عند القراءة، هذا هو الإنسان، بفكره وعقله، والبيان الذي أمامه يصل إلى الشيء قبل أن يصل إليه الحيوان، بربك لو أنك ذاهب إلى حمص في أيام الشتاء، واستمعت بأذنك أن الطريق في (النبك) مغلقة بسبب تراكم الثلوج، هل تذهب؟ الطريق سالك من دمشق إلى دوما، إلى عدرا، الطريق كله سالك جاف، ولكن الخبر من (النبك) لا تُكمل، فالإنسان بطولته أن يؤمن بالغيب، عندنا شيء محسوس، وعندنا شيء معلن، بياناً فقط، الغيب خبر، والدنيا محسوسة، والعاقل دائماً يستخدم عقله، والحيوان يستخدم حواسه، الحيوان يخاف بعينه، بينما العاقل يخاف بعقله، مثل أوضح: إنسان عاقل يقرأ أن التدخين يسبب أمراضاً لا حصر لها، بدءاً من جلطة، ومروراً بضيق الشرايين التي تغذِّي القلب، ثم بعض الأورام الخبيثة في الرئتين، ثم مرض الغرغرين، فالإنسان العاقل لا ينتحر بنفسه، أما الذي يعطِّل عقله متى يدع الدخان؟ عندما يصاب بالمرض، أما العاقل فيدَع التدخين قبل أن يصاب بالمرض، إذاً النقطة الحساسة هنا هي أنه هل تستخدم عقلك لتصديق الخبر الإلهي وتنضبط أم تواجه الحقيقة المرة بعد فوات الأوان، مَنْ في ذهنك يعدُّ أكثر كفار الأرض؟ اختر واحداً من هؤلاء، الذي قال:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة النازعات: 24]
 والذي قال:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
[ سورة القصص: 38 ]
 هذا فرعون نفسه، وعند الموت سيؤمن بكل ما آمن به الأنبياء، ولكن بعد فوات الأوان.

خيارنا مع الإيمان خيار وقت فقط :
 أكثر كفار الأرض لا بد أن يؤمن عند الموت بكل ما جاء به الأنبياء، أو الذي رفع لواء الإلحاد في العالم الشرقي، الذي رفع لواء الإلحاد وقال: الدين أفيون الشعوب، عندما مات آمن بكل ما جاء به الأنبياء، إذاً خيارك مع الإيمان خيار وقت، إما أن تؤمن الآن بالخبر الصادق، وأن تعرض عن الدنيا المغرية، وإما أن يكون الإنسان كالذي دونه يخاف بعينه فقط، فعندنا إنسان يتحرك بالخبر، وإنسان يتحرك بالحواس، أكثر الناس متى يشتري الوقود السائل؟ عند موجة البرد القارس، أما هناك قلة قليلة من الناس يملؤون خزّاناتهم وهم مرتاحون، في أيام الحر، لا يوجد ازدحام، ويختار أفضل موزِّع، لا يقف بالمرصاد له، أما حينما تأتي موجة البرد، فمعظم الناس يتهافتون على شراء الوقود السائل، فالإنسان العاقل لا تكون أعماله ردَّ فعل، وحينما يرى الشيء يأخذ موقفاً، لا، يجب أن تخطط، فالعاقل يعيش المستقبل، وكما يروي بعض الأدباء في العصر العباسي أن سمكات ثلاث كنَّ في غدير، فمرَّ صيادان، نظرا إلى السمك في الغدير فتواعدا أن يرجعا، ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك - والقصة رمزية - فسمعتْ السمكاتُ قولهما، أما أكيسُهُنّ - أعقل واحدة - فإنها ارتابت وتخوفت وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، فلم تعرج على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماءُ من النهر إلى الغدير فنجت، أمّا الكيِّسة فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها، فإذا بالمكان قد سَدَّه الصيادان، فقالت: فرّطتُ، وهذه عاقبة التفريط، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي، ثم إنها تماوتت، تصنعت الموت، فطفت على وجه الماء فأخذها الصياد ووضعها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت في النهر فنجت، بعد أن احترقت أعصابُها، وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صِيدتْ، فالناس ثلاثة أشخاص؛ عاقل جداً، وأقل عقلاً، وعاجز غبيّ، فالعاجز تحرِّكه الأفعال، فكلُّ أعماله ردود فعل، يخاف بعينه إلى أن يرى الطريق مسدوداً فيرجع، يرى الطريق النازل أكثر راحة، لا يقرأ اللوحة، أما العاقل يقرأ ويفكر ويخطط ويرسم مستقبله بعيداً عن تأثير الواقع، والعاجز لا يفكر لا قبلاً ولا بعداً.
سورة التكوير فيها أخطر انقلاب في الكون :
 هذه السورة سورة التكوير فيها أخطر انقلاب في الكون، كل شيء ترونه؛ الشمس والقمر والنجوم والجبال والأنهار والحيوانات والبشر، هذا كله سيتبدَّل، هناك انقلاب كوني كبير جداً، وما دام كل متوَّقع آتٍ، وكل آت قريب، فكل هؤلاء البشر من آدم إلى يوم القيامة سوف يقفون للحساب في هذا اليوم، فماذا يحدث في هذا اليوم؟ هذه الشمس التي تزيد حرارتها في مركزها على عشرين مليون درجة، وفي سطحها عن ستة آلاف درجة، والتي تزيد ألسنة اللهب فيها عن مليون كيلومتر، والتي إذا أُلقيت فيها الأرضُ تَبَخّرت في ثانية، هذه الشمس سوف تنطفئ، قال تعالى:
﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾
 أيْ انطفأت، مع أن العلماء يقولون: مضى على تألُّق الشمس خمسة آلاف مليون سنة، ومع ذلك فإنّ انطفاء الشمس آيةٌ من آيات الله الدالة على عظمته، قال تعالى:
﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾
 مثلاً حريق وقع في غابات إندونيسيا لم ينطفئ إلا بعد أشهر، وهذه الشمس سوف تنطفئ، هذا حدث كبير جداً، قال تعالى:
﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾
 "إذا " أداة شرط تفيد تحقق الوقوع، فلا بد لهذه الشمس أن تنطفئ، وكل حال يزول، أنا أقول لبعض الأخوة الأكارم: هل بالإمكان أن تستيقظ كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله؟ مستحيل، ولن ينجوَ أحد ذات يوم، لا بد من يوم يستيقظ الإنسان على تبدُّل في جسمه لم يكن يعهده، فإذا كان هذا مرض الموت فسوف يتفاقم إلى أن تُعلن الوفاة، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وقد سألت أحد الأخوة الموظفين في دفن الموتى: كم وفاة في دمشق يومياً؟ فقال لي: من ثمانين إلى المئة كل يوم، كم نعياً؟ بين عشرين وثلاثين نعياً يومياً تقرأ فيها، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطّى غيرنا إلينا، أما في أحد الأيام فسيقرأ الناس نعي هذا الإنسان نفسه، يذهب ويخرج، يخرج هكذا ويرجع هكذا، وفي أحد الأيام يخرج هكذا ولا يرجع، يدخل إلى المسجد هكذا ويخرج هكذا، وفي أحد الأيام يدخل هكذا ليُصلّى عليه.

الناس رجلانرجل عرف الله فسعدورجل تفلت من منهج الله فشقي :
 اعملوا لهذه الساعة، اجتهدوا لهذه الساعة، هيِّئوا لهذه الساعة، هيئوا العمل الصالح، هيئوا التوبة، هيئوا الإنابة إلى الله، هيئوا تحرير الدخل، هيئوا ضبط الإنفاق، هيئوا إقامة إسلامية في البيت، هيئوا تحجيب البنات والزوجة، هيئوا ضبط اللسان، هيئوا ضبط النظر، هذه الساعة آتية لا بد منها، ما نجا منها نبي، ولا نجا منها ملِك، ألا ترون الملوك يموتون تحت سمعكم وبصركم، هل نجا منها قوي؟ هل نجا منها ضعيف؟ هل نجا منها غني؟ وهل نجا منها فقير؟ قال تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾
[سورة آل عمران: 185]
 فلا بد أن نموت، ولا بد من أن نحاسب، ولا بد من أن تُعرض أعمالنا على الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾
[سورة آل عمران: 106]
 الناس في النهاية رجلان؛ رجل عرف الله فاستقام على أمره، وانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسعد في الدنيا والآخرة، ورجل تفلت من منهج الله وأساء إلى خلقه فشقي في الدنيا والآخرة، قال تعالى:
﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾
 هذه الشمس أين هي؟ كورت.

إعجاز الله يتجلى بوضوح في الكون :
 قال تعالى:
﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾
 سقطت متناثرة، في الكون تقريباً مئة ألف مليون مجرة واليوم في موقع معلوماتي لإحدى أكبر وكالات الفضاء في العالم في الحادي والثلاثين من تشرين من عام ألف وتسعمئة وتسعة وتسعين عرضت صورة في موقعها المعلوماتي، الصورة لا يمكن أن تشك إلا أنها وردة، وردة جورية، ذات وُريقات حمراء داكنة، وذات وريقات خضراء زاهية، في الوسط كأس أزرق، هذه الصورة هي صورة في جانب نجم اسمه عين القط يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ* فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾
[سورة الرحمن:37-38]
 الشمس كورت أي انتهت، انطفأت، كما أن هناك قوة عظمى عملت على إيقادها، هذه الكتلة الملتهبة لا بد من قوة عظمى عمِلت على إطفائها، قوة عظمى أوقدتها، وقوة عظمى أطفأتها، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾
 إذا كان هناك مئة ألف مليون مجرة، وفي كل مجرة مئة ألف مليون نجم، وإذا كانت بعض النجوم تبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية، فكم هذا الكون فسيح؟ فيه كل هذه النجوم، مثل بسيط، نحن في درب التبانة، مجرتنا درب التبانة، بين الأرض والقمر ثانية ضوئية، بين الأرض والشمس ثماني دقائق، المجموعة الشمسية قطرها الزمني ثلاث عشرة ساعة، مجرتنا طولها مئة وخمسون ألف سنة ضوئية، فيها مئة ألف مليون نجم، وهناك مجرة اسمها المرأة المسلسلة، تبعد عنا مليوني سنة ضوئية، حجمها ضرب مجرتنا بثمان وعشرين مرة، و تبدو نجماً واحداً، المرأة المسلسلة تبدو نجماً واحداً لأنها تبعد عنا مليوني سنة ضوئية، هذا هو الكون.

وصف لبعض ما سيجري يوم القيامة في الكون :
 قال تعالى:
﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾
 سقطت وانطفأت وتلاشت وانتهت، شيء سهل، تُطفِئ مئة ألف مليون ضرب مئة ألف مليون نجم متألق، وبعضها له أحجام مخيفة، هناك بعض النجوم أكبر من الشمس بملايين المرات، بالملايين، كل هذه النجوم تنطفئ وتسقط وتتلاشى، أخطر حدث، أخطر انقلاب كوني في هذه السورة، جبال كجبال هملايا ترتفع عن سطح البحر اثني عشر ألف متر، وثلثاها تحت الأرض، اثنا عشر ألف زاد أربعة وعشرون يساوي ستة وثلاثون ألف متر، ستة وثلاثون كيلومتر كتلة، أعلى جبال في العالم، هذه الجبال الصخرية تصبح كالعهن المنفوش، كالرمل، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾
 رمال، كانت جبالاً فأصبحت رمالاً، تحريك هذا الجبل، هل في الأرض قوة بإمكانها تحريك هذا الجبل المتواضع جداً جداً؟ أعني جبل قاسيون، فهل تحريك هذا الجبل قليل؟ كل جبال العالم ستزول، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾
 هذه الكتل الصخرية التي ثلثاها تحت الأرض وثلثها فوق الأرض، هذه الجبال تصبح كالعهن المنفوش، كالصوف المنتوف، تصبح هباء منثوراً، رملاً متحركاً، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾
كل ما يملكه الإنسان لا قيمة له حينما تكور الشمس وتنكدر النجوم وتسير الجبال:
 قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴾
 وبعدُ فهاكَ مثلاً: هناك أشياء ذات قيم غالية جداً، فرضاً محل تجاري في سوق رائجة، يقول لك: كل متر بثلاثة ملايين ليرة، هناك محلات في العالم أرقامها فلكية، أسواق رائجة جداً وسط العاصمة، وفي كل عصر هناك أشياء ثمينة، في عصر النبي أثمن شيء الناقة الحبلى لعشرة أشهر، الناقة كانت أول مال هناك، ناقة وفي بطنها مولود، وفي ضرعها حليب، اسمها العشار، فالإنسان متى يهمل هذا المال؟ إذا أصيب بزلزال، إذا كانت عنده مشكلة كبيرة جداً، المال لا قيمة له، في كل عصر هناك أموال، وهناك سيارات، وهناك بيوت فخمة جداً، أخبرني أخ كريم عندما كنت في القاهرة أن هناك بيتاً ثمنه عشرون مليون دولار، أي ألف مليون ليرة، شيء ثمين، لو أن صاحبة هذا البيت - له صاحبة تعمل في الفن - أصيبت بمرض عضال فما قيمة هذا البيت؟
 وكل إنسان أيها الأخوة حينما تأتي المصيبة الكبيرة لا شيء له قيمة، لا بيت، ولا مركبة، ولا معمل، ولا شركة، ولا مكانة، ولا اسم، ولا لقب، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴾
 إنّ الله عز وجل ضرب مثلاً، وأراد أن كل عصر فيه شيء يشبه هذه العشار، الآن هناك سيارة ثمنها خمسة وعشرون مليوناً، فالذي يملك مثل هذه السيَّارة وأصيب بمرض عضال فأيُّ قيمة لها عنده، وهناك بيت ثمنه خمسون مليوناً، ومئة مليون، ومئة وثمانون مليوناً في دمشق، بيت كهذا البيت، ومركبة كهذه المركبة، ومزرعة رائعة جداً، إن أصيب صاحبها بمرض عضال فلا قيمة لها، وكلمة:
﴿ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴾
 أي أن هذا المال النفيس الذي يعتزُّ به العربي حينما تكور الشمس، وتنكدر النجوم، وتسير الجبال، هذه الأموال لا قيمة لها إطلاقاً.

في هذا اليوم العظيمالأموال الثمينة عطلت والحيوانات كلها حشرت :
 قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾
 كل الحيوانات سوف تحشر في هذا اليوم، وقد قال بعض العلماء: ليقتص بعضها من بعض، هي ليست مكلفة، يقتص منها مرة واحدة وينتهي حسابها، هذه الشاة التي نطحت أختها سوف تحاسب، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾
 أي الأموال الثمينة عطلت، والحيوانات كلها حشرت، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾
 الماء فيه أوكسجين وهيدروجين، والأوكسجين أشد الغازات اشتعالاً، والهيدروجين أشد الغازات إعانة على الاشتعال، فبقدرة قادر الأوكسجين والهيدروجين يصنعان ماء، والماء تطفأ به النيران، لكن جرِّب أن تضع قطرة ماء في مدفأة، اللهب يزداد، فماذا حصل؟ هذه القطرة تحللت إلى أوكسجين وإلى هيدروجين فانفجرت، فما قولك في هذه البحار التي تساوي أربعة أخماس الأرض، المحيط الهادي، والمحيط الأطلسي، والمحيط العربي، هذه المحيطات الخمسة، وهذه البحار كلها تشتعل فجأة، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾
 أو مُلئت، هذا تفسير آخر، الحواجز بين البحار تحطمت، واتصلت البحار كلها، وملأت الأرض وغطّتها.

ربنا عز وجل أحياناً يقصد الكل ويذكر البعض :
 قال تعالى:
﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾
 قال بعض العلماء: الجسم نبت مرة ثانية، وأُلحقت به نفسه، رجع الإنسان ليُحاسب، وقال بعض العلماء: أي المرابون مجموعة، والزناة مجموعة، والصالحون مجموعة، والعُبَّاد مجموعة، والعلماء مجموعة، والنساء العفيفات الطاهرات مجموعة، والزانيات مجموعة، أي كل مجموعة يألف بعضها بعضاً، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾
 طبعاً أحياناً ربنا عز وجل يقصد الكل ويذكر البعض، قال لك: العشار عطلت، قس عليها بيوتاً فخمة، من أندر الأموال، قس عليها مزارع فخمة جداً، قس عليها معامل، سمعت عن معمل أدوية يبيع بأربعمئة مليار دولار في السنة، هناك شركات عالمية ميزانيتها أكبر من ميزانية عشر دول، فإذا كان الشاب عمره اثنان وأربعون سنة، والآن معه من تسعون إلى مئة مليار دولار، هذا رقم مايكروسوفت، هذه الشركة الضخمة التي تسيطر على العالم كله في الكومبيوتر، مال ثمين عشار، المركبات عشار، الطائرات، شركة عندها مئتا طائرة، شركة طيران ضخمة لها ميزانيات دول، فشركات التغذية، وشركات الطيران، والملاحة، هناك ناقلات نفط تتسع لمليون طن من البترول، في داخلها معامل، تأخذ المواد الأولية من أستراليا وتصنِّعها ستانلس، وتنقلها إلى الشرق الأوسط، في أثناء الطريق تُصنَّع، هذه البواخر الضخمة، والطائرات العملاقة، والشركات ذات التعددية العالمية، هذه كلها عشار، في هذا اليوم لا قيمة لهذه الشركات، ولا لهذه المؤسسات، ولا لهذه المباني الضخمة، ولا لهذه الصُّروح.

كل إنسان يعتز بما عندهأما يوم القيامة فلا قيمة لكل هذه الأشياء :
 قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴾
 قس عليها كل شيء، كل إنسان يعتز بما عنده، من بعض الأدعية قرأت أن النبي عليه الصلاة السلام يدعو بها:
(( للهم اجعل حبَّك أحبَّ الأشياء إليَّ، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم، فأقر عيني من عبادات))
[كنز العمال عن الهيثم بن مالك الطائي]
 يقول لك: هذه الأرض لا أبيعها ولا بمئة ضعف، هذا البيت لا أبيعه، هذه الشركة حياتي، كل إنسان يعتز بشيء، أما في هذا اليوم، يوم القيامة فلا قيمة لكل هذه الأشياء، هناك صناعات راقية جداً، محجوزة لسنة، لو قيل لك: تعالَ تملَّكها واخسر الآخرة، ألم يقل عليه الصلاة والسلام:
((.. فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))
[متفق عليه عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]
 النعم الحمراء غالية جداً، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ* وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾
الإيمان باليوم الآخر يمكن أن يكون عقلياً فقط :
 الآن قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾
 أحد العلماء الكبار له رأي رائع، هو أن الإيمان باليوم الآخر يمكن أن يكون عقلياً فقط، وذكرت هذا اليوم في الخطبة، هناك من طغى وبغى، هناك من ظلم، هناك مَن سلَب ونهَب، هناك من قتَل، هناك من تجبَّر، هناك من استعلى، هناك من بنى مجده على أنقاض الآخرين، هناك من بنى عزه على إذلالهم، هناك من بنى غناه على إفقارهم، هناك من بنى حياته على موتهم، هناك من بنى أمنه على خوفهم، ومات، وانتهى الأمر هكذا، وقد يكون موتُه بأحلى صورة، وبأضخم جنازة، وانتهى الأمر، وإنسان استقام وضحّى وقدّم وبذل، إنسان عاش الناسُ له، هذه الأهرامات شعوب بأكملها بنَتها، سخرة بلا مقابل، الأهرامات قبور، حضارة كلها قائمة على قبور، أنا دخلت إلى بعضها ورأيت بعض المتاحف، لكل إصبع للملك الميت غلاف ذهبي، الذهب الموجود في المقابر لا يصدِّقه العقل، كل شيء في هذه القبور كالأسطورة، فإنسان عاش الناس جميعاً له وأُذِلوا وسُخروا، وهكذا تنتهي الحياة، إنسان عاش الناس له، وإنسان عاش للناس كالأنبياء، الأنبياء أعطَوْا كل شيء، والأقوياء أخذوا كل شيء، وتنتهي الحياة هكذا بلا دار آخرة تُسوّى فيها الحسابات، ويُنصر فيها المظلوم، مستحيل وألف أَلف ألف مستحيل أن تنتهي الحياة هكذا، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾
[ سورة القيامة: 36]
 لا يوجد حساب، إنسان قد يكون عنده زوجة، وأهلها ليسوا في البلد، فظلمها وقهرها، وأخذ أموالها ثم طلقها، وانتهى الأمر، ولا يوجد إله يحاسب، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾
[ سورة القيامة: 36-40 ]
 بلى.

تعالى الله أن يخلق الخلق عبثاً :
 قال تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ*فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾
[سورة المؤمنون: 115-116]
 فتعالى الله أن يخلق الخلق عبثاً، مهلاً ألا يوجد الآن قوي وضعيف على الأرض، هذا هتلر من أجل نزواته الشخصية أشعل نار الحرب العالمية الثانية التي ذهب فيها خمسون مليون قتيل، هكذا تنتهي الحياة؟ انتحر وانتهى الأمر، أم هناك حساب؟ قال تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ*فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾
[سورة المؤمنون: 115-116]
 بنت، قطعة من الجمال، بريئة، طاهرة كان يأخذها أبوها ويحفر لها حفرة، ويرميها في الحفرة، ويهيل عليها الرمل، وتقول: يا أبت، يا أبت، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾
 وفي العالم الآن يقال: تطهير عرقي، أي خمسة وثلاثون ألف امرأة مسلمة اغتصبت في البوسنة والهرسك، كم تسمعون في الأخبار من المقابر الجماعية في أوروبا، وفي بولونيا، وفي هذه البلاد التي تنتمي إلى الإسلام، كم؟ هذا الذي مات لا ذنب له، ما قتل، ولا سرق، ولا فعل، بل لأنه مسلم، تطهير عرقي، نقرأ بعض الأحاديث أن في آخر الزمان موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لِمَ يقتل، ولا المقتول فيمَ قُتِل، هذا القاتل في الحروب التي كانت حولنا، قناص، كلما مر إنسان يقتله، هكذا، دون أن يعرف من هو، أهذا ينجو، وليس مِن مشكلة أبداً؟ لا، وألفُ لا، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾
لا بد من يوم تردُّ فيه الحقوق لأصحابها :
(( عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ لَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا وَلَمْ تَتْرُكْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
 فما القول فيما فوق الهرة؟ وأنا أذكِّر بهذه الكلمة: كل ما يشبه هذه الكلمة يُحمل عليها، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾
 كم مِن إنسان ضعيف أُخذ مالُه، وكم مِن إنسان لا يحسن المرافعة فضاع حقه، وكم من إنسان أُخذت أرضُه، وكم مِن إنسان اغتصب بيته بقوة القانون، ويقول: أنا مستأجر، فهل من المعقول أن بيتاً ثمنه مليون تستأجره بمئة ليرة شهرياً؟‍‍! كيف بقوة القانون؟
﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ*لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
[سورة المطففين:4-5]
 قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾
 وقس عليها كل شيء:
﴿ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾
لا يمكن أن تنتهي الدنيا إلا بحساب دقيق :
 أخواننا الكرام، لا يمكن أن تنتهي الدنيا هكذا إلا بحساب دقيق، بكل سنة يموت في العراق خمسمئة ألف طفل جوعاً ومرضاً، وهؤلاء الغربيون يعيشون في بحبوحة تفوق حد الخيال، هم يحاصرون هذا البلد، ألن يُحاسبوا؟! هناك دار آخرة، خمسمئة ألف طفل يموتون جوعاً ومرضاً كل عام، ولا أحد يفكر فيهم، هذه هي الموءودة بعينها:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾
 الفتيات اللواتي اغتصبن في البوسنة والهرسك، خمسة وثلاثون ألف فتاة اغتُصِبت، المقابر الجماعية التي تمت في أوروبا، في إفريقيا ذُبح خمسمئة ألف إنسان في ليلة، قبل سنتين أو ثلاث:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾
 قس عليها كلها، هناك إله موجود، وسيحاسب، قال تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر: 92-93]
 وقال تعالى:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 44]
بأي لحظة قد يقع الماكر في قبضة الله ويذوق عذاب النار إلى أبد الآبدين :
 هذا المكر، مكر الإنسان الذكي، يظن نفسه ذكياً وليس مع الله ذكي، بأي لحظة قد يقع في قبضة الله عز وجل، ويذوق عذاب النار إلى أبد الآبدين، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم: 42]
﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
[سورة إبراهيم: 47]
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال* فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
[سورة إبراهيم: 47-48]
 هذا القرآن شفاء للنفوس، أنت كن مستقيماً وانجُ بجلدك، واحرص على ألاَّ يتعلق بك حقُّ إنسان، وكن مع الله عز وجل، ولا تخش أحداً، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾
 قد يقال للإنسان: لِم طلقت زوجتك؟ ماذا فعلت معك حتى طلقتها وشرّدتها؟ لماذا فعلت كذا؟ لماذا فعلت كذا؟

كل إنسان له باطن وظاهر لكن المؤمن سريرته كعلانيته وباطنه كظاهره :
 قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾
 هناك أسرار، كل إنسان عنده ملفات، لكن بذكاء بارع يخفيها عن الناس، يظهر أحسن ما عنده، أما هذه الملفات لو نُشرت لفُضح صاحبها، هناك بعض البنوك في أمريكا إذا كان للمودِع حجم كبير يورِّطونه في فضيحة نسائية، فيصورونه، فإذا ما طالبهم بسحب الرصيد هدَّدوه بنشر هذه الصورة، فيخاف، هناك ملفات، فلو كُشفت هذه الملفات لكُشف الناس معها، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾
 كل إنسان له باطن وظاهر، له سر وعلانية، لكن المؤمن - ونرجو الله أن يكون المؤمن هكذا - سره كعلانيته، وسريرته كعلانيته، وباطنه كظاهره، وخلوته كجلوته، ليس عنده ازدواجية، لكن أناساً كثيرين يتقنون التمثيل، لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، وهم أمام الناس متألقون، فإذا كان يوم القيامة انكشفت الحقائق، ونُشرت الصحف، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ﴾
 هذه القبة الزرقاء ذهبت لم يعُد ثمة نجوم، لكن الآن في الليل ترى قبة مليئة بالنجوم.

الآيات التالية تبين أن الجنة أمام المؤمنين وجهنم أمام الكافرين :
 قال تعالى:
﴿ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ* وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ*وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ*عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾
 إذا كان الإنسان محكوماً عليه بالإعدام، فإلى أن يُشنَق كلما وضع العسكري المفتاح في الباب بلغ قلبه الحنجرة، ويظن أنهم جاؤوا لتنفيذ الحكم، فيمكن أن يموت مليون موتة قبل تنفيذ الحكم، هكذا، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ*وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾
 الجنة أمام المؤمنين، وجهنم أمام الكافرين، في هذه اللحظة:
﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾
 ماذا هيَّأت لهذا اليوم؟ أنا أنصح نفسي قبلكم، أن تفكر كل يوم ماذا هيَّأت لهذا اليوم؟ حينما:
﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ*وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ *وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ *وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ *وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ *وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ*وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ *وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ *وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ *وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ *وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ *وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾
كل شيء يتبدَّل وكل حال يزول :
 ماذا أحضرت لهذا اليوم؟ هل أحضرت تربية أولاد نشؤوا على طاعة الله، أم تركتهم هكذا هملاً، فانغمسوا في الرذائل؟ هل أحضرت زوجة مؤمنة دللتها على الله، أم استمتعت بها وتركتها هملاً؟ هل هيّأت صدقة جارية تنتفع بها في هذا اليوم؟ هل دعوت إلى الله؟ هل أمرت بالمعروف؟ هل نهيت عن المنكر؟ هل أطعمت الفقراء؟ هل رعيت المساكين؟ هل تكفلت بالأيتام؟ هل بنيت المساجد، ماذا فعلت؟ يا بشر!! لا جهاد ولا صدقة، فَبِمَ تلقى الله إذاً؟ قال تعالى:
﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾
 أنا واللهِ أتمنى على كل واحد من الأخوة الحاضرين أنْ يفكر تفكيراً جدياً بعمل صالح يلقى الله به، أما أنْ يعيش الإنسان ليأكل، يقولون: نحن نعيش كغيرنا، فهذه السورة فيها أخطر انقلاب في الكون، كل شيء يتبدَّل، وكل حال يزول، في هذا اليوم لا بد أن نصل إليه، مرة قرأت كتاباً عن قصص العرب، من أمتع الكتب، أربعة أجزاء، بعد أن أنهيت قراءته قلت: سبحان الله الأغنياء الذين قرأت عنهم هذا الكتاب كلُّهم ماتوا، والفقراء ماتوا، والأقوياء ماتوا، والضعفاء ماتوا، والأذكياء ماتوا، والحمقى ماتوا، وكل أجناس الذين قرأت عنهم جميعهم تحت أطباق الثرى، ونحن، هذا الجمع بعد مئة عام لن تجد واحداً منا فوق الأرض، كلنا سنكون تحت الأرض، فنحن في وَهْمٍ، الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، نحن في زمن سينقضي، والدنيا ساعة فاجعلها طاعة.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بهذه السورة، وسأتابع شرحها إن شاء الله في الدرس القادم.

والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.nouray.com/
 
تفسير قوله تعالى ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى نوراي :: المنتدى الإسلامي-
انتقل الى: