الرئيسيةالمنشوراتبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الغيب بقلم: د. مصطفى محمود

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نوراي



المساهمات : 1264
تاريخ التسجيل : 02/12/2017

مُساهمةموضوع: الغيب بقلم: د. مصطفى محمود    الإثنين 12 فبراير 2018 - 18:39

الغيب بقلم: د. مصطفى محمود
صباح الخير
نشر في صباح الخير يوم 31 - 08 - 2010


بقلم : مصطفى محمود
انفرد القرآن بتخصيص سور طويلة يتلو فيها أنباء وأخبارا وحقائق هى طلاسم من الغيب المحجب، يحار فيها عقلنا ولا يملك لها نفيا ولا تأييداً.. وبذلك يتركنا أمام اختيار صعب فى أن نصدق أو نكذب.. نؤمن أو نكفر.. فها هنا حقائق بلا قرائن.. وتفسير هذه الأمور فى اعتقادى.. بالإضافة إلى كونها تفضلاً إلهيا علينا بعلم ما لا نعلم.. إنها امتحان لعمق إيماننا.
ويدل على هذا ما ذكره القرآن عن المؤمنين: «الذين يخشون ربهم بالغيب» و«الذين يؤمنون بالغيب»، وتكرر هذا فى أكثر من سورة، والمقصود هم المؤمنون بالقلب الذين لا يطلبون القرائن ولا يلحون فى براهين ولا يدخلون فى مجادلات.. ولا يقولون.. أرنا الله لنؤمن به.. وإنما يؤمنون به غيبا وقلبا.
ويدل على ذلك ما ذكره القرآن عن هواية الجدل والتقارع بالحجج.. وكيف أوردها كصفة مكروهة فى الإنسان. «وكان الإنسان أكثر شىء جدلا» فالدين إحساس قبل أن يكون نظرية تؤخذ بالبرهان.
وهو حالة قلبية أولا قبل أن يكون حالة عقلية. وكامتحان لهذه الحالة القلبية وهذا الموقف القلبى يطرح علينا الله فى القرآن من الطلاسم الغيبية ما لا يمكن أن نقيم عليه برهانا بالسلب أو بالإيجاب.
وبهذا يكشفنا أمام نفوسنا. فإذا نحن نرفض ونكذب. بالرغم مما تصورناه فى أنفسنا من إيمان.. لأنه لم يكن أكثر من إيمان قشرة.. كان مجرد جدل عقلى.. وأمثال هذه الطلاسم.. الملائكة.. والجن.. والساعة.. والعرش والكرسى.. والصراط.. والجنة.. والنار.. والميزان.. واللوح.. والقلم.. والبرزخ.
وأكبر طلسم ولا شك هو «الشيطان» نفسه.. إبليس وقبيله.. ويقول عنه الله: «إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم» «إنا جعلنا الشياطين أولياء «أنصارا» للذين لا يؤمنون» «ومن يعش (ومن ينصرف) عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (مصاحب وملازم)» وحكاية هذا القرين الشيطانى تتكرر فى عدة أماكن.. ويروى لنا الله يوم القيامة حينما ينكشف لكل واحد قرينه الشيطانى وهو دائما من الجن، (وكانت وظيفته طوال الحياة الإغراء بالشر).. حينما ينكشف له قرينه ويشاهده فإنه يهتف ندمان متحسرا: «يا ليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس القرين».
وهى آية شديدة اللطف والخفاء.. فنحن نعرف أن أبعد نقطتين على الأرض هما ما بين المشرق والمغرب.
ولكنه فى هذه الآية يقول: «يا ليت بينى وبينك بُعْد المشرقين» يقصد بذلك أقصى البعد. وهو أمر لا يمكن تفسيره إلا أن يكون مغرب الشمس هو فى نفس الوقت مشرق لها على مكان آخر.. وهو أمر لا يكون إلا على أرض كروية تدور.. فتصح بذلك كلمة «بعد المشرقين» على أنهما أبعد نقطتين بالفعل.. أبعد حتى مما بين المشرق والمغرب.
وهذا المثال يدلك على مدى الخفاء فى القرآن.. وأن فهمه يحتاج إلى كل الجهد.. وأن مثل هذه الآيات ما كان يمكن أن تفسر فى عصرها وزمانها.
وهذه إشارة بأن حكاية القرين من الجن هى أيضا أمر غيبى لن يفهم الآن ولكن سوف يتضح فى ميقاته وزمانه، ولكن علينا أن نؤمن إذا كان لنا قلب وإحساس وفطرة وروح تذكر ما كان لها فى عالم الملكوت.
والحقيقة أن الإيمان بالجن والملائكة قلبا.. هو دليل كاشف على نوع من التذكر الغامض لعالم القدس والملكوت وأنه إيمان دال على شىء وليس مجرد تسليم خاو. ثم يروى لنا الله فى القرآن أن الإنسان لا يترك لقرين الشر من الجن وإنما له قرين آخر من الملائكة يلازمه ويلهمه بالخير.
ويظهر هذا القرين الملائكى ليشهد يوم القيامة ويخبر عن صاحبه «وقال قرينه هذا ما لدى عتيد» ثم هناك ملائكة كاتبون وملائكة حافظون تعمل فى خدمة الإنسان دون أن يراها. ثم هناك ملائكة العرش «ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية» كيف تحمل ثمانية من الملائكة عرش الله..؟ أم هى ثمانية صفوف كل صف فيه ما لا نهاية من الملائكة أم هى ثمانية قوانين فيزيقية أو ميتافيزيقية.. لا أحد يعلم، فالقرآن لم يحدد وإنما قال ثمانية.. وسكت ولم يقل ثمانية ماذا.
ثم ما هو العرش.. أم هو رمز؟ وما هو الكرسى؟ إنه يوصف فى آية الكرسى بأنه: «وسع كرسيه السماوات والأرض» ومعنى هذا أن كرسى الله وسع السماوات والأرض بما فيهما. فإذا كان هذا هو الكرسى فما بال العرش بأسره.. وكيف تحمله مخلوقات. أم هى مخلوقات غير ما نعرف على الإطلاق.. ولعلها قوى كهرومغناطيسية هائلة. ألا تمسك قوانين الجاذبية بالشمس والنجوم فى فضاء الكون؟
وقد يكون «العرش» مجرد كلمة مجازية كما نقول عن الكعبة مجازا أنها «بيت الله».. كذلك نتكلم عن «عرش الله».. ثم هناك جبريل رسول الملائكة وروح القدس.
ويروى عن النبى أنه رآه مرتين على صورته الحقيقية.. ويذكر الحديث أن إحدى هاتين المرتين كانت فى البقيع وفى ليلة مقمرة وأن مرأى ذلك الملاك قد سد الأفق وملأ جنبات السماء.. وأن النبى وقع مغشيا عليه من فرط الرهبة.
وهو حديث يمكن أن يشك فى صحته، ولكن ما لا يشك فيه هو ما أورده الله عن جبريل فى سورة النجم متحدثا عن القرآن «إن هو إلا وحى يوحى، علمه شديد القوى» وفى سورة التكوير «إنه لقول رسول كريم، ذى قوة عند ذى العرش مكين».
والرسول الكريم هنا هو جبريل ذو القوة والمكانة عند ذى العرش.. وحينما يصف الله أحد مخلوقاته بأنه «شديد القوى» وبأنه «ذو القوة» والمكانة فلابد أنه هائل عظيم فى قوته وفى إمكانياته.
ونفهم من القرآن أن جبريل يمكن أن ينزل إلى الأرض فى أية صورة ويحمل الوحى إلى أى نبى فى أى عصر بأية لغة.
وعن بقية الملائكة من ذوى الرتبة العادية.. يقول القرآن بلسانهم: «وما منا إلا له مقام معلوم» أى أن كل واحد يقتصر عمله على دور محدد ووظيفة واحدة.. لا تتعدد لياقات الملك وكفاياته ووظائفه كما تتعدد وظائف الإنسان ومواهبه.. فالإنسان مفضل على كثير من الملائكة.. فالله مفضل على كثير من الملائكة.. فالله قد «علم آدم الأسماء كلها» وحينما سأل الملائكة عن تلك الأسماء قالوا «سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا» والأسماء هى عديدة المعارف والمواهب التى فضل بها الإنسان على غيره من المخلوقات.
ويعلمنا الله أن الملائكة ليس لهم جنس معين فهم ليسوا بالذكور ولا بالإناث وهم لا يتناسلون ولا يموتون ويؤكد أنهم ليسوا بناته ولا أبناءه بل مجرد مخلوقاته، وكيف يكون له أبناء وله الملك والملكوت كله وهو الخالق لما يشاء ويقول إنهم يعيشون فى طاعة وليست لهم حرية الإنسان فى أن يعصى «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون».
ويروى الله عن الجن تفصيلاً فيقول إنهم أمم منهم الصالحون الاخيار ومنهم الكفرة الأشرار.. وإنهم ذكور وإناث وإنهم يتناسلون.. وإنهم يستمعون إلى ما يدور فى عالم الإنس ويوسوسون لهم.. ومنهم المردة الذين يتطاولون فيستمعون إلى ما يجرى فى الملأ الأعلى أملا فى معرفة الغيب فيقذفون بالشهب ويحرقون، ومنهم من يمس الإنسان فيصيبه بالضر ولكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا بمشيئة الله.. كما أن الشفاء لا يمكن أن يتم إلا بمشيئة الله.. أما محاولة استرضاء الجن بتقديم الذبائح والقرابين لاستجلاب الشفاء فهو جهل وشرك.. كذلك تحضير الجن لتسخيرهم للمنافع أمر يعود فى النهاية بالضرر وليس بالنفع على أصحابه.
«كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا». وعلى لسان الجن يروى القرآن حكاية الاستماع والتسمع «وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا، وأنا لاندرى أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً. وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا». يؤكد القرآن أن الجن لا يعرف الغيب وأنه يتسمع ولكن أكثر ما يقوله أكاذيب «يلقون السمع وأكثرهم كاذبون» وأنهم يموتون ويبعثون ويحاسبون كأبناء آدم. ويروى ما كانت تفعل الجن أيام سليمان وكيف سخرها الله لخدمته.
«ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير. يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب (أى أوان هائلة كالحياض)». ثم يروى عن خطف عرش بلقيس: «قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنى عليه لقوى أمين، قال الذى عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم».
ونفهم من الآية أن «الذى عنده علم من الكتاب» كان أقوى من الجن وأقدر فهو قد أتى بالعرش فى لمح البصر.. ومرة أخرى يشير إلى جهل الجن فى نفس السورة «فلما قضينا عليه الموت (على سليمان) مادلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته (عصاه) فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب مالبثوا فى العذاب المهين (عذاب التسخير لسليمان)».
فهنا رجل يموت وهو واقف على عصاه فلا تكتشف الجن من حوله أنه مات ويظلون على حالهم من السخرة فى خدمته.. حتى تأكل حشرة قارضة عصاه من أسفلها.. فيختل توازن جثته وتهوى على الأرض.. هنا فقط يدرك الجن أن سليمان مات وهذا غاية الجهل.
ثم يروى لنا القرآن أن الله علم سليمان لغة الطير ولغة النمل «حتى إذا أتوا على وادى النمل قالت نملة ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فتبسم ضاحكا من قولها وقال ربى أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين».
ومثل هذا الحديث عن لغة النمل كان أمرًا مستغربًا فى الماضى.. ولكن العلم يقول الآن بناء على الشواهد والملاحظات إن النمل له لغة وكذلك النحل.. وكل فصائل الحشرات التى تبنى مجتمعات وخلايا وتنظيمات.. فبدون لغة متبادلة كان يستحيل على تلك الألوف المؤلفة من الحشرات أن تنتظم فى حياة وتتوزع بينها الوظائف.
وإدراك نملة لسليمان أمر ممكن مثل إدراك سليمان لله. ثم نأتى إلى الشيطان فيعلمنا القرآن أنه من فصيلة الجن هو وقبيله ولكنهم أمهلوا فلا يموتون إلا إذا قامت الساعة فيكون موتهم ثم بعثهم ليخلدوا بعد ذلك فى الجحيم. والشياطين هم الذين علموا الناس السحر.. وما يفرق به الساحر بين رجل وزوجته. ويروى القرآن أن أساليب السحر جاءت إلى الأرض لأول مرة فى بابل نزل بها ملكان هما هاروت وماروت جاءا إلى الأرض فى شكل بشر.. وأن الله أراد بنزول هذه الأسرار فتنة الناس وامتحانهم.. ويتكرر دائمًا فى القرآن وفى أكثر من مكان حكاية امتحان النفس الإنسانية بالخير وبالشر.
«كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة» والشر فى الآية مذكور قبل الخير كوسيلة امتحان. ونزلت قصة هاروت وماروت فى سورة البقرة. «وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله.. ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم».
وبذلك يؤكد الله أنه حتى السحر بالضرر لإنسان لا يفعَّل أثره إلا بمشيئة الله. وفى ذلك اعتراف ضمنى صريح بمسألة السحر.. وتحقيق عن كيفية نزوله وتاريخه ومكانه.. ولكنه يدمغ السحر والسحرة «ولا يفلح الساحر حيث أتى».
«أسحر هذا ولا يفلح الساحرون»
وهذا السحر الذى يتكلم عنه القرآن.. والذى جاء ذكره مرة أخرى فى قصة موسى وفرعون.. حينما جلب فرعون السحرة وألقوا بحبالهم وعصيهم فإذا هى حيات تسعى ومرة ثالثة فى حديث السامرى وهو اليهودى الذى صنع بالسحر عجلاً من الذهب له خوار.. ثم حكاية الساحرات النفاثات فى العقد هذا السحر الذى ورد فى القرآن.. هو علم قديم اندثر.. وهو غير ما نرى حولنا ونسمع من شعوذات، فلم يبق الآن من السحرة إلا أدعياء يتكلمون بما لا يعرفون.. ويزعمون ما لا يقدرون.. أما المخطوطات القديمة التى ضمت معظم هذه الأسرار فقد اندثر أكثرها.. ولم تبق إلا قصاصات اختلط فيها العلم بالخرافة وكذلك النداء على الجن وتحضيره وتسخيره هو الآخر علم شحيح لا يعرفه فى أصوله إلا قليلون.. وهم يشقون بهذه المعرفة ويهلكون.
أما موقف العلم والعقل من هذه الأسرار.. فهو بإيجاز أنه لا يعلم ولا يعقل. وبعض الظواهر التى هى من قبيل السحر.. كالتنويم المغناطيسى يعترف بها العلم دون أن يجد لها تفسيرًا.
لا يعرف العلم إلى الآن كيف تتسلط إرادة المنوم على الوسيط وكيف يتصل عقل الاثنين فيصبحان كعقل واحد ما يراه المنوم يراه الوسيط النائم.. وما يطلبه المنوم يستجيب له الوسيط فورًا ولو كان أمرًا بالشلل أو الغيبوبة.. أو الارتفاع فى الهواء.
كل ما فعله العلم أنه أطلق على هذه الأشياء أسماء ومصطلحات.. مثل الإيحاء.. والوساطة.. ونشاط العقل الباطن.. مجرد ألفاظ.
وبالمثل ظاهرة كالتليباثى.. والجلاء البصرى، والكشف، والهواتف. كل هذه حقائق أغرب من السحر يسجلها العلم ثم لا يعرف لها تفسيرًا ولا يعقلها. فإذا جئنا إلى البرزخ:
«ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون». ذلك البرزخ الذى يفصل أرواح الموتى عن دنيا الأحياء، فإن القرآن يعود فيلقى الضوء على معناه فى آيتين منفصلتين.
«وهو الذى مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا». والحجر المحجور هو المنع الممنوع المحظور.
والآية تتحدث عن أحواض البحار والمحيطات الملحة وأنهار المياه العذبة كيف تلتقى ويصب الواحد منها فى الآخر دون أن تمتزج ودون أن تتلوث الأنهار العذبة بالملوحة.. فتظل الأنهار عذبة والمحيطات ملحة بما أقام الله من برزخ «فاصل أو حاجز» بينهما. ويتكرر نفس الكلام فى آية أخرى بسورة الرحمن:
«مرج البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان». ومن الواضح هنا أن البرزخ ليس مجرد الأرض الفاصلة.. فالأرض الفاصلة لم تمنع من مسيل الأنهار لتصب فى المحيطات.. وإنما فى القوانين التى جعلت المحيطات فى الخفض من الأرض والأنهار تنزل إليها من عوالى الجبال ولو حدث العكس لتلوثت كل المياه العذبة.. ثم إن الله جعل مياه المحيطات ترتفع فى المد «بفعل جاذبية القمر» ولكن بمقدار.. ولو كان القمر أقرب إلى الأرض مما هو.. لكان المد العالى الذى يحدث كفيلاً بأن تصب المحيطات فى الأنهار فتلوثها ولما وجدنا قطرة ماء نشربها.
إن البرزخ.. والحجر المحجور.. والمنع الممنوع.. كلها إشارات إلى القوانين الفيزيقية التى تمنع وتضبط وتحفظ لكل شىء حدوده ومكانه. وهذا يفسر لنا ما قاله القرآن عن الموتى. «ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون».
فليس معنى البرزخ هنا فاصل مكانى يفصل أرواح الموتى عن دنيا الأحياء.. وإنما معناه القوانين المانعة.. فالأرواح بعد الموت تبدأ حياة ذات قوانين مختلفة، ولهذا يستحيل عليها أن تخاطبنا ويستحيل علينا أن نخاطبها لأن بيننا برزخا.. هو اختلاف القوانين بين عالمنا وعالم الأرواح.. مع أنها قد تكون حولنا فى ذات اللحظة والمكان، ولكن الاتصال يظل مستحيلاً ومعدومًا لاختلاف قوانين وجودها عن قوانين وجودنا.. وهذا هو البرزخ.
ومن هذه الآيات نفهم أسلوب القرآن فى التعبير بالشفرة عن الأسرار والغيوب.. فهو ليس كتابًا فى الهيدروليكا أو الفيزيقا ليخوض فى تفاصيل علمية.. وإنما هو يكتفى بلفظة ذات دلالة مثل «برزخ» كلمة جميلة موحية لها ظلال وإيحاءات.. ثم يتركنا نفكر.. ونصدق أو نكذب. أما القلم واللوح.. فإنا نجد الله يقسم بالقلم وما يسطر به:
«ن والقلم وما يسطرون»
وأغلب الظن أنه ليس قلمنا الذى نكتب به المقالات وتلهمنا فيه الشياطين.. وإنما المقصود هنا القلم الإلهى الذى يكتب به الله أقدارنا فى اللوح المحفوظ.. أو القلم الذى تسطر به الملائكة، والله فى القرآن يكتب ويمحو. «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب» وهو كلام محير يفهم من ظاهره أن الله مثلنا يكتب ويشطب ويراجع النفس.. وهو غير صحيح.. والتفسير الأصح أن الآية دلالة على سعة المغفرة والرحمة بدرجة تصل إلى اللامعقول.. إلى محو القدر المقدور والله حر فعال لما يشاء لا يسأل عما يفعل.. وبذلك أفسح الله الأمل للتائبين وجعل التوبة تتخطى القدر المقدور نفسه.. وهذا دليل على مطلق حرية الله ومنتهى رحمته. ونفهم هذه الحرية المطلقة مرة أخرى فيما يروى القرآن عن أيام الله فهو يقول فى إحدى الآيات:
«وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون». وفى آية أخرى يقول عن الملائكة: «تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» ومعنى هذا أن أيام الله هى كما يشاء الله.. فإذا شاء يكون اليوم بألف سنة وإذا شاء يكون اليوم بخمسين ألف سنة.. فهو ليس خاضعًا لزمنه مثلما نحن خاضعون وإنما هو يخلق زمنه.. وهذا شرح فلسفى رفيع لمعنى الأبدية.. أو زمن من لا زمن له. كل هذه المعانى تبرق كالومض فى كلمات وتفوت القارئ إذا لم يجاهد فى سبيلها.. وقراءة القرآن فى نظرى جهاد.. ومن يقرأ القرآن بخفة ثم يرفض ما فيه.. يظلم نفسه.. ولا يظلم القرآن شيئًا.
وأعمق ما فى القرآن هو ما ورد عن الغيب.. ورب كلمة من حرفين تمر عليها وأنت لا تبصرها وفيها سر وجودك كله. ورب حقيقة تشيح بيدك وأنت تقرؤها فى استهزاء.. وتقول: كيف.. هذه أساطير.. هذا كلام غير معقول.. لمجرد أنك قرأت كتابًا بالإنجليزية واعتبرت نفسك مثقفًا. وأحسن رد عليك هو كلمة المسيح:
لو أنك عملت بما تعلم.. لكشف لك الله علم مالا تعلم. لو أنك سلكت طريق طالب العلم الحقيقى المخلص الذى يقرأ كل العلم المتاح له ويفهم ما فيه ويعمل بما فيه.. لأصبحت مستحقًا.. ولعلمك الله علم مالا تعلم وفتح قلبك لما غمض عليك مما تراه كلامًا بلامعنى. وهو نفس طريق الصوفية المسلمين لإدراك الغوامض بالكشف.. ولرؤية الغيب شهودًا.. وهو قراءة القرآن والعمل به وتطبيق كل حرف فيه والنداء على الله بأسمائه فى خشوع وطلب العلم والتعلم.. وانتظار الفتح. وهو نفس وعد القرآن:
«والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» ووعد الإنجيل: «اطلبوا تجدوا دقوا على الباب يفتح لكم» على أن يكون دق الباب بجماع القلب والهمة وانقطاع البال وخلوص النية.. وليس مجرد شقشقة لسان بدعاء تقليدى.. وحينئذ يتفضل عليك الله كما يتفضل على أحبابه وأوليائه فيفتح بصيرتك لترى الملائكة شهودًا وترى الغيب حضورًا وتسمع ما لا أذن سمعت. «ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم»
والله لا يكذب وعده أبدًا.. ولكن نحن الذين نكذب وعودنا. «ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما» ونأتى إلى ذروة الغيب.. وهى الساعة.
والساعة هى ذروة الغيب المغيب التى لم يكشفها الله لأحد ولا حتى لأنبيائه. «يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربى لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت فى السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفى عنها قل إنما علمها عند الله». إنه لعلم اختص الله به نفسه دون الخلق جميعًا وإنه لعلم رهيب كما سوف نرى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.nouray.com/
 
الغيب بقلم: د. مصطفى محمود
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى نوراي :: منتدى الدكتور مصطفى محمود-
انتقل الى: