الرئيسيةالمنشوراتبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نوراي



المساهمات : 1264
تاريخ التسجيل : 02/12/2017

مُساهمةموضوع: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ   الإثنين 26 فبراير 2018 - 18:15

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع من سورة الأنبياء، يقول الله سبحانه وتعالى في الآية التاسعة عشرة من هذه السورة:
﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾
الملائكة في عبادة دائمة من غير حسرة
هؤلاء الذين عنده هم الملائكة يسبحونه بالليل والنهار، لا يسأمون، ولا يستكبرون، ولا يستحسرون، معنى ذلك أن الإنسان إذا سَبَّحَ الله سبحانه وتعالى دخل في سعادةٍ لا توصف، وإذا دخل في هذه السعادة لن يتكبَّر عليها، ولم يسأم منها، ولم يستحسر عليها، وحينما يعمل الإنسان عملاً لا جدوى منه، أو يُقَدِّمَ جهداً كبيراً ليأخذ مردوداً صغيراً يستحسر، يتحسَّر على الوقت الذي بذله من أجله، وعلى الجهد، وعلى المال، فمتى يستحسر الإنسان إذًا ؟ إذا رأى المردود أقلَّ من الجُهد، وإذا رأى النتائج أقلَّ من المُقَدِّمات، والأرباح أقلَّ من رأس المال، عندئذٍ يستحسر.
فهؤلاء الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولا يستكبرون، ولا يستحسرون، ولا يسأمون، وكأن الله سبحانه وتعالى بهذه الآية يدعونا بشكلٍ غير مباشر إلى أن نسبِّحه، فإذا سبَّحناه لن نستحسر على هذا التسبيح، ولن نسأم هذا التسبيح، ولن نستكبر.
معنى التسبيح
والتسبيح هو التنزيه والتمجيد، ومن معاني التسبيح أن تنزِّه الله عن كل صفةٍ لا تليق به، وعن كل حالٍ لا يليق به، فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، فالله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار، إنه صَمَد.
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)ُ﴾
( سورة الإخلاص:2)
أهمية علم التوحيد
ولذلك فعلم التوحيد علمٌ مهمٌ جداً في الدين، بل إن رأس العلومِ كلِّها علم التوحيد، لأنك إذا عرفت الله عرفت كل شيء،
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتُّك فـاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[تفسير ابن كثير(2/302)]
أحياناً يتعَرَّف الإنسان على شخص له مكانة، فهو على جانب من العلم والكَرَم والحكمة، تراه غارقاً في سعادةٍ لا توصف، لأنه تعرف إليه، فكيف إذا عرف الله سبحانه وتعالى، وإذا عرف عن أسمائه الحسنى، وعن صفاته الفُضلى، وعن جلاله وكرمه، وعن جماله، وغناه، وقدرته ؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ))
[متفق عليه]
معنى
((مَنْ أَحْصَاهَا ))
أي من عرفها اسْماً اسماً، فمعرفة أسماء الله الحسنى جزءٌ أساسيٌ من الدين، بل جزءٌ أساسيٌ من علم العقيدة، وفي كل كتب علم التوحيد وكتب علم العقيدة فصلٌ كبيرٌ جداً عن أسماء الله الحسنى، وأنت امتحن نفسك، قل: ماذا تعرف عن اسم الرحيم ؟ ما الدلائل، والوقائع، والمعلومات، والمشاهدات التي تؤكِّد اسم الرحيم ؟ الله سبحانه وتعالى رحيم، إلى أي درجة تظنُّه رحيماً ؟ هو أرحم بالخلق من الخلق، والله سبحانه وتعالى لطيف، وغني، وكبير، ولهذا شُرِعَ التكبير يوم العيد..
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
( سورة البقرة:185)
حقيقة << الله أكبر >>
الحقيقة الأولى:
ما من مسلمٍ على وجه الأرض إلا وهو في طريقه إلى المسجد ليؤدِّيَ صلاة العيد إلا ويكَبِّر، يقول: " الله أكبر، الله أكبر "، هذه الكلمات قالها أصحاب رسول الله ففتحوا العالم بها، ويقولها الآن ألف مليون وهم على ما تعلمون، لماذا ؟ لأن المسلمين اليوم يقولون: الله أكبر دون أن يروا أن الله أكبر من كل شيء، وبمجرد أن تعصي الله سبحانه وتعالى إرضاءً لمخلوق فأنت لم تر أن الله سبحان وتعالى أكبر من هذا المخلوق، ولو رأيت الله أكبر من هذا المخلوق لم تعصِ الله من أجل هذا المخلوق، ولذلك: من قال الله أكبر ألف مرة ومرة، وعصى الله سبحانه وتعالى ما قالها ولا مرة.
إنّ الفرق بين أصحاب رسول الله وبين المسلمين في هذا العصر كبيرٌ جداً، فأقوالهم تعبِّر عن إيمانهم، ولكن أقوال المسلمين يقولون: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، هذه الباقيات الصالحات لو عرفها المسلمون حق المعرفة لطاروا إلى سماوات المعرفة، وسماوات السعادة.
فلذلك يجب أن لا تكون كلماتنا عادات ألفناها، الله أكبر، هذه الذي يطيع زوجته، ويعصي ربه ما قال: الله أكبر ولا مرة، ولو قالها بلسانه ألف مرة، وهذا الذي يغش، ورأى أن الربح الناتج من الغش أغلى من طاعة الله سبحانه وتعالى، فالذي يغُش في البيع، والشراء ما قال: الله أكبر ولا مرة، ولو قالها بلسانه ألف مرة، والذي يَدَعُ عبادةً لله عزَ وجل خوف إنسانٍ ما، هذا ما قال: الله أكبر ولا مرة، ولو قالها بلسـانه ألف مرة، فلذلك نحن مقدمون على أيام العيد، وفي العيد نُكّبِّر، ويجب أن تعلموا ما التكبير ؟ التكبير يعني أن الله أكبر من كل شيء، ومن كل ربح.. فعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له في دينه ودنياه ))
[أبو نعيم في الحلية]
الله أكبر من كل إنسان، ومن كل مكسب، وإنجاز، وهَدَف، وهذا معنى الله أكبر.
الحقيقة الثانية:
ولها معنى آخر، أنَّك كلما عرفت الله سبحانه وتعالى ترى أن الله عزَّ وجل أكبر مما عَرَفْتَ، إذ لا حدود لعظمته، ولا نهاية لجلاله ولجماله ولقدرته ولكرمه.
﴿ أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾
وما ادَّعى العرب أن هذه الآلهة تحيي الموتى، ولكن الله سبحانه وتعالى لفت نظرهم إلى أن الإنسان إذا اتخذ إلهاً من دون الله فهل هذا الإله الذي اتخذه قادرٌ على أن يحيي الموتى ؟
﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴾
( سورة الشعراء: 69-72)
الإله يجب أن يسمع..
﴿ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾

( سورة الشعراء: 73 -82)
ربنا عزَّ وجل يُوجه نظرنا إلى أن الإله هكذا يجب أن يكون قادراً على أن يحييك، ويشفيك، ويُطعمك، ويسقيك، ويسمع خَلَجَات قلبك، سميعٌ عليم، سميعٌ بصير، هذا هو الإله.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)﴾
فلو أن الله سبحانه وتعالى معه شريك لما انتظمت الحياة، ولما انتظم الكون، ولاختل نظامُ الكون، ولكانت المُنازعات، لأن كل إلهٍ..
﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾
( سورة المؤمنون:91)
وحدة الكون تدل على وحدانية الخالق
شيء آخر، إذا فكَّرت في آيات الله في الأرض ترى أن هناك وَحْدَةً في الكون.
لنضرب مثلا نابعًا من حياتنا: قد تشتري دواءً مصنوعاً في بلدٍ يبعُدُ عنك عشرات الألوف من الأميال، وقد يستعمل الدواء إنسان في قارة في طرف الأرض، فإذا بهذه المواد الفعَّالة في الدواء تؤثِّر في بُنية هذا الجسد، ما تفسير ذلك ؟ أن الخالق واحد، والذي خلق الإنسان المولود في كندا هو نفسه الذي خلق الإنسان في أستراليا، فإن إنسان أستراليا بإمكانه أن يشتري دواءً مصنوعاً في كندا مثلاً، مع ما بين القارتين من بعدٍ شاسع، وهناك وحدة في الوجود، وبُنية الإنسان واحدة، وعاداته، وطباعه، وبُنيته النفسية، وقوانينه واحدة..
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾
( سورة المعارج: 21)
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ﴾
( سورة الأنبياء: من آية " 37 " )
﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾
( سورة النساء:28)
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)﴾
( سورة الأنعام:81-82)
البُنية واحدة، ولذلك فمن وحدة البُنية، ووحدة الخَلق، والتربية والتسيير تعرف إلى أن هناك إلهاً واحداً، لكن كل إنسان له ملامح خاصة، فما من مخلوقٍ إلا وله خطوطٌ في وجهه يتميَّزُ بها، وبصماتٌ في أصابعه ينفرد بها، ونبرةً لصوته يتميَّز بها، ونوعٌ لرائحة جسده يتفرَّد بها، فقد كان العلماء يظنون أن في الإنسـان البصمة التي ينفرد بها، فكل إنسان له طبقة صوتية لا يشركه فيها أحدٌ من الناس، ومن هنا تعرف على الهاتف فلاناً، تقول له: فلان ؟ معناها ربنا عزَّ وجل أعطاك هويةً من صوتك، ومن رائحة جلدك، فكل إنسان له رائحة جلد خاصة يتميَّزُ بها، وأعطاك هويةً من تركيب دمك، والدم في الإنسان له بنيةٌ خاصة، أعطاك هويةً من ملامح وجهك..
إذاً ستة آلاف مليون إنسان مع أن بنيتهم جميعاً متساوية، ليس هناك إنسان واحد يشبه في ملامحه الخارجية، ولا في نبرة صوته، ولا في رائحة جلده، ولا في بصمة أصابعه إنساناً آخر، لذلك قال بعض العارفين بالله، وأظنه الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى: " والله يا رب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سُمِّيتَ الواسع "، فالله سبحانه وتعالى من جهةٍ واحد، ومن جهةٍ واسع.
﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾
سبحانه وتعالى أن يكون له شريك، وسبحانه وتعالى أن يكون له مُعِين،
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾
( سورة الزخرف: من آية " 84 " )
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾
( سورة الكهف:26)
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
( سورة هود: من آية " 123 " )
﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
( سورة الزمر:62)
وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.. فبالتوحيد ترتاح نفس الإنسان، ويطمئن قلبه، وتستريح أعصابه، وبالتوحيد يدفع عنه القلق، والخوف، والحزن، والسوداوية، والتشاؤم..
﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾
معنى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
المعنى الأول:
أي أن مقام الألوهية يقتضي ألاّ يستطيع أحد من الخلق أن يسأل الله سبحانه وتعالى، فمهما علا الإنسان فهو مسؤول، فلو أن هناك دائرة حكومية، ورأس هذه الدائرة يبدو للموظَّفين أنه لا يُحاسَب، ولكن لو اطلعت على الواقع لرأيت أنَّه هو يخشى من هو فوقه، فهو مسؤول، وكل مسؤول فوقه مسؤول، لكن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل، فمقام البشر أنهم مسؤولون..
﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾
( سورة الصافات:24)
مقام الألوهية لا يستطيع أحد أن يسأل الله سبحانه وتعالى، وليس معنى أن الله سبحانه وتعالى إذا كان لا يُسْأَل عما يفعل أنه ظالم ؟ سبحانه وتعالى هو العدل،
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾
( سورة هود: 55-56)
فهو من تلقاء ذاته أَلْزَمَ نفسه أن يكون على صراطٍ مستقيم، وألزم نفسه برِزْقِ العباد..
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
( سورة هود: من آية " 6 " )
(على) تفيد الإلزام، إذا جاءت على في حق الله سبحانه وتعالى تفيد أنه ألزم نفسه.
﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾
( سورة النحل: من آية " 9 " )
أي أن الله عزَّ وجل ألزم نفسه أن يهدي العباد إلى سواء السبيل، وألزم نفسه أن يهديهم إليه، وأن يعرِّفَهُم به، ونَصَبَ لهم الآيات الدالة على عظمته، وبَثَّ في الأرض الآيات، فأقام في السماء الآيات، إذاً فالله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل، لأن هذا المقام مقام الألوهية، وما من مخلوقٍ على وجه الأرض إلا ويسأل ؛ يُسأل ممن هو أعلى منه، أو يسأل ممن هو أدنى منه، فيقول لك: أخاف على سمعتي، ويسأل من أية جهة، ولذلك من شأن الإنسان أنه مسؤول، ومن شان الله سبحانه وتعالى أنه لا يُسأل عما يفعل.
المعنى الثاني:
وهناك معنى آخر لهذه الآية، أن الله سبحانه وتعالى لعدالته المُطلقة، ولإحسانه الذي لا حدود له لا يسأل عما يفعل، لأن عدله يُسكت الألسنة، ورحمته تسكت الألسنة، ومثلاً: إذا وزع المعلم على طلاَّبه أوراق الامتحان، وقد صُحِّحَت تصحيحاً متناهياً في الدقة، ووزع عليهم السلالم، وعرض عليهم الأوراق والعلامات، وانتظر، قد تمضي ساعة ولا أحد من الطلاب ينبس ببنت شفة، لماذا ؟ لأن عدل المعلم أسكت الألسنة، فالعدل يسكت، ولفرط عدالته لا يسأل عما يفعل، هذا معنى آخر.
والمعنى الأول: أن مقام الألوهية يقتضي ألا يسأل، ولا أحد في الكون يسأله، وليس بإمكانه أن يسأله، وليس من حقه أن يسأله، لأنك في مُلك الله عزَّ وجل.
والمعنى الثاني: أن الله سبحانه وتعالى لعدالته وكرمه وإحسانه لا يُسأل عما يفعل.
﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾
فلذلك ربنا عزَّ وجل قال على لسان سيدنا عيسى:
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
( سورة المائدة:118)
الآية لا تنتهي بـ: الغفور الرحيم، ليست كذلك، أنت تألف أنها " فإنك أنت الغفور الرحيم، وهي:
﴿ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
فما علاقة العزة هنا بالمغفرة ؟ لأن الإنسان إذا غفر يخشى أن يحاسب على هذه المغفرة، لمَ لَمْ تطالب فلاناً بهذه الوثيقة ؟ لمَ تساهلت مع فلان، ولم تتساهل مع فلان ؟ لمَ أعفيت فلانًا من هذا الرسم ؟ لماذا ؟ ولماذا عفوت عن فلان ؟ هذا الذي يعفو محاسب، لكن الله سبحانه وتعالى:
﴿ ؤ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة المائدة:118)
أي أن عزتك لا تنال، فلا يستطيع أحدٌ أن يحاسبك يا رب، لماذا غفرت لفلان ؟ ولم تغفر لفلان ؟ فالقرآن كما قال سيدنا علي: " حَمَّال أوجه "، أي ذو وجوه، فإذاً:
مقام الألوهية: لاَ يُسأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾

هذا مقام الألوهية..
﴿ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾
مقام العبودية: وَهُمْ يُسْأَلُونَ
هذا مقام العبودية، والإنسان لا يسعد إلا إذا عرف مقام العبودية، فأنت عبدٌ لله، وليس من شأنك أن تَحْشُرَ أنفك فيما هو من شأن الله، كأن تقول: الله عزَّ وجل يعلم أو لا يعلم ؟ هذا من شأن الله، الله عليمٌ حكيم، وكلمة عليم مُطلقة، والمُطلق على إطلاقه، وسيدنا علي رضي الله عنه يقول: " علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ".
فالله سبحانه وتعالى كيف يكون مع الخلق جميعاً في وقتٍ واحد ؟ هذا السؤال من شأن الله أنت عبد، وليس من شأنك أن تحيط علماً بالله عزَّ وجل، ولا يعرف الله إلا الله، فلذلك مقام العبودية يقتضي أن تعرف مقامك.. " رحـم الله عبداً عرف حده فوقف عنده ولم يتعدَّ طوره ".
فهناك أسئلة مقبولة، وأسئلة غير مقبولة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا ))
[الجامع الصغير عن ابن عباس بسند ضعيف]
فلما يطرح الإنسان أسئلة متعلِّقة بذات الله يهلك، لأن المحدود لا يستطيع أن يحيط باللامحدود، وذو النهاية لا يستطيع أن يحيط باللانهاية، والممكن الوجود لا يستطيع أن يحيط بالواجب الوجود، والحادث لا يستطيع أن يحيط بالقديم، والفاني لا يحيط بالأبدي السرمدي، فهو الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، فالإنسان يجب أن يصنف الأسئلة لتصنيفين، أسئلة يمكن أن تطرح، وهذا من شأن الإنسان أن يفهمها، وأسئلة أخرى لا يمكن أن تُطْرَح لأنها تطاولٌ على مقام العبودية، مقام العبودية أن تقف عند هذا الحد دون أن تسأل.
﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴾
مقام العبودية: وَهُمْ يُسْأَلُونَ
هاتوا برهانكم، فكأن التعامل مع الله عزَّ وجل وفق الأدلة، والبراهين والحجج، فخالق هذا العقل والمنطق، ينبغي له أن يكون في دينه المنطق كله والعقل كله، إذاً كل حكمٍ فقهي فيه دليلٌ نقلي، وفيه دليلٌ عقلي، فهل خالق العقل دينه غير معقول ؟ مستحيل، لا عقل لمن لا دين له، ولا دين لمن لا عقل له، "تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتاً، إن الرجلين ليستوي عملهما، وبرهما، وصومهما، وصلاتهما، ويختلفان في العقل، كالذرة جنب أُحُد، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفر من العقل واليقين ".
محدودية العقل
وما دام العقل من خلقه، والكون من خلقه، فلابدَّ من أن يكون الكون معقولاً، ولابدَّ من أن يكون الدليل العقلي أساساً في الإيمان، ولكن العقل على أنه أعظم شيءٍ أودعه الله فينا ليس مؤهَّلاً أن يتحكم في العقيدة، ولا في العبادات، ولكنه مؤهَّلٌ أن يستنبط الأحكام التفصيلية من الأحكام الكلية، فالعقل مسموح له أن يستنبط الأحكام الفرعية من الأدلة الأصلية، من الكتاب والسنة، والعقل مؤهَّل لذلك، ولذلك بَرَعَ الفقهاء والمجتهدون في استنباط الأحكام التفصيلية من الأدلة الأصلية من الكتاب والسنة، ولكن العقل لا ينبغي أن يُحَكَّمِ بالنقل، بمعنى أن يسمح للعقل بإثبات ما صح وروده أو نفيه، دور العقل في العقيدة أن يفهمها لا أن ينفيها، فالعقل له حدود.
والعقل ميزان ولكن الشرع ميزانٌ على الميزان، العقل ميزان، والشرع ميزان على الميزان، كما لو أعطيت مسألةً رياضية، فأنت بعقلك تَحُلُّ هذه المسألة، ولكنه مع المسألة أعطي الجواب الصحيح، فإذا جاء الحل مُطابقاً لهذا الجواب فالحل صحيح، وإذا جاء الحلُّ مخالفاً لهذا الجواب فالحل غير صحيح، إذاً الشرع ميزان على الميزان، والإنسان من دون شرع قد يَضل، وقد يَغْتَرّ.
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴾
( سورة المدثر:18-27)
العقل أيها الإخوة يشبه تماماً العَين، فهي بالغة التعقيد، ولكن ما قيمتها من دون النور ؟ فلو ألغي النور فجأةً هل نرى شيئاً ؟ ولو أن للإنسان عينين من أعلى درجة من الحساسية، لو أطفأ الضوء هل يرى شيئاً في الغرفة ؟ كذلك العقل، العقل جهاز فَذٌّ، عظيم، فما من جهازٍ أعقد من العقل في الكون، وما من عطاءٍ أثمن من العقل في الكون، ومع ذلك هذا العقل لا يُجدي إلا إذا كان هناك نورٌ إلهي..
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
( سورة النور: من آية " 35 " )
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور﴾
( سورة النور:40)
﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾
( سورة الأنفال: من آية " 29 " )
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾

( سورة الحديد: من آية " 28 " )
العقل تابع للنقل
فالنور هو الهُدى، فالعقل من دون نور قد يُلْحِد، وقد يُنكر الدين، وقد يقول: هذا الكتاب ليس كلام الله، وقد يقول: إن الزنا أفضل من الزواج، وإن السرقة أفضل من الكسب الحلال، ونحن نقول: أوروبا أمامكم، ألا ترى أوروبا الآن أن المتعة مهما تكن رخيصةً دنيئة فهي محببة عندهم ؟ ألم يصابوا بأمراضٍ وبيلة تفتك فيهم فتكاً ذريعاً ؟ هذا المرض العُضال ـ مرض الإيدز ـ حطَّمَهُم لماذا ؟ لأنهم اعتمدوا على عقلهم وحده في تخطيط حياتهم، فعقلهم ضَلَّ وأضل، وأراهم أن اللَّذة هي كل شيء، فانكبوا عليها فانهارت علاقاتهم الاجتماعية، وانهارت قِيَمَهُم الأخلاقية، وتحطَّمت الأسر عندهم، وأصبحت حياتهم كالبهائم، وأحد الكتاب وصف أوروبا فقال: " أوربا عقلها من ذهب وقلبها من حديد "، نفوس مُقْفِرَة من القِيَم، لماذا ؟ لأنهم يبنون سعادتهم عل أنقاض الآخرين، ويبنون رفاهة شعوبهم على جوع الشعوب الأخرى، وعلى فقرها، وعلى تدميرها، إذاً هم ليسوا مُثُل عليا في الحياة.
فيا أيها الإخوة الأكارم... العقل وحده من دون الهدى لا يكفي، العقل وحده قد يهتدي، وقد يضل، ولكن الشرع هو الحصن الحصين، والإنسان بالعقل يعرف الله عزَّ وجل وبالشرع يعبده.
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾
التعامل مع الله بالبرهان..
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾
( سورة المؤمنون: من آية " 117 " )
﴿ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾

الأدلة إما عقلية أو نقلية أو واقعية أو تاريخية
وعندنا دليل عقلي، ودليل نقلي، ودليل واقعي، ودليل تاريخي..
﴿ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ﴾
هذا دليل تاريخي..
﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
إذاً الإعراض يأتي من الجهل، فإذا لم يعرف الإنسان قيمة هذه الجوهرة يعرض عنها، أو يرميها في الأرض، لكنه إذا عرف قيمتها يَحْرَصُ عليها حرصاً شديداً، فالحرص سببه المعرفة.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
والله هذه الآية من أدق الآيات، ولو أننا كلفنا إنسان يقرأ الإنجيل، والتوراة، والزَبور، والقرآن الكريم، وهذه الكُتُب السماوية الأربع يضغطها في سطرٍ واحد كلَّها، ربنا عزَّ وجل لَخَّصَ في هذه الآية جميع الرسالات السماوية..
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي ﴾
نقطتين..
﴿ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
نهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل العبادة.
هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
فإذا عرفت أن الله وحده لا شريك له، فليس معقولاً أن تطيع مخلوقاً وتعصيه، أمرك كله بيده، وصحتك بيده، وزوجتك بيده، ومستقبلك، وأولادك وجيرانك، ورؤساءك ومرؤوسوك، وزبائنك، وأقرباؤك، وأعضاؤك، وقلبك، ودسام القلب، والشرايين التاجية بيده، والكليتان، وهبوط مفاجئ في وظائف الكليتين، هذه بيد من ؟ ومرض خطير بلا سبب، وهبوط مفاجئ، وتوقف الكلى عن التصفية، إذ يحتاج في كل أسبوع مرتين تصفية، ومعامل كريات الدم الحمر بيده، يقول لك: فقر دم لا مُصَنِّع، مرض خطير جداً، أي أن معامل كريات الدم الحمر بلا سبب معروف تَكُفُّ فجأةً عن صنع كريات الدم الحمر، وهذه المعامل تصنع في الثانية الواحدة مليونين ونصف مليون كرية حمر، وهذه المعامل تَكُفُّ فجأةً عن تصنيع كـريات الدم الحمر، إذاً هذه المعامل بيده.
يقال الكلية توقفت، والبنكرياس توقَّف عن عمله، وارتفعت نسبة السكر في الدم، وحصل انسداد بالشريان وبالدماغ فأحدث شللاً نصفياً، فهذه الجلطة الدموية بيد من ؟ من جعلها تتجمد ؟ كانت في الدم سائلاً في هرمون تجلد بالكبد، وفي هرمون تميُّع، من إفراز هذين الهرمونين إفرازاً متوازناً يبقى الدم بهذه الحالة السليمة، ولو أن أحد الهرمونين أفرز زيادة عن اللزوم فيصبح الدم مائعاً، فيموت الإنسان من شكة دبوس، يموت بسبب نزف دمه كله، أو يموت من تجلط الدم، ويصبح الدم كله كالوحل في الشرايين والأوردة، فالشريان بيده، والقلب بيده، والتجلط بيده، والتميُّع بيده، وعمل الكليتين بيده، وعمل الغدة النخامية بيده، والدرقية هذه مشكلة، والطحال مشكلة..
أعرف رجلاً شاباً في ريعان الشباب، وهو في الصف الرابع بالطب، وعلى مشارف التخرُّج، حدث معه فقر دم، فنزل التعداد إلى ثلاثة ملايين بالميليمتر المكعب، صحته طيبة، وغذاؤه جيد، فبعثوا عيِّنة من الطُحال إلى بلد أجنبي لفحصه، والطحال له مهمة، وهي أن يحلل الكريات الميتة إلى عواملها الأولى.. أي أن المهمة اقتصادية.. هذه الكريات الحمر الميتة بدل أن تلقى خارج الجسد تذهب إلى الطحال، وتحلل إلى هيموغلوبين وإلى حديد، والحديد يعاد شحنه إلى معامل كريات الدم الحمر في نقي العظام، والهيموغلوبين يذهب إلى الكبد ليشكِّل الصفراء، فالصفراء والحديد الذي يرسل إلى نقي العظام هذه من أنقاض كريات الدم الحمر.
والآن هناك معامل لضغط الحديد، سيارة مستعملة، انتهى استعمالها تضغط بمكعب، وترسل مرة ثانية إلى معامل الحديد، وعندنا معمل في مدينة حماة من أجل أنقاض الحديد أيضاً، فربنا عزَّ وجل جعل كل كريات الدم الحمر الميتة تذهب إلى الطحال والطحال يحللها إلى حديد وإلى هيموغلوبين، فهذا الشاب الذي في ريعان الشباب طحاله يعمل بنشاطٍ أكثر مما ينبغي، بمعنى أنه يأخذ الكرية الحمراء الميتة فيحللها، ويأخذ الحيَّة فيميتها، فصار معه فقر دم وتوفى بهذا المرض، مرض غريب: زيادة نشاط الطحال.
فنحن يهددنا خمسون خطراً، إذا توقف الطحال إنها مشكلة، وإذا اشتغل زيادة فمشكلة، والبنكرياس، والغدة الدرقية مشكلة، وإذا زادت إفرازاتها فإنها تعمل فرط توتر، وتعمل تبدد طاقة، وتعمل مشكلات كبيرة جداً، وإذا كسلت فتجد أن الإنسان ازداد وزنه لوزن غير طبيعي، لأن الغذاء عندئذٍ لا يتحول إلى طاقة، فهل يجب أن نهتم ونخاف من الدرقية، أم من النخامية، أم من الكظر، أم من البنكرياس، أم من الصفراء، له خمسة آلاف وظيفة، أم من جهاز الهضم المعقد، أم من ثقب بوتال بالقلب، أم من تضخم الشرايين ؟
طبيب شَرَّح قلباً، فالقلب له دَسَّامات، والدسام هو أعقد ما في القلب، ثلاث وريقات مع انقباض الأذين تنفتح هكذا فيمر الدم، فترجع فجأةً فتغلق الطريق إغلاقاً محكماً، لا يوجد في الأرض أي مضخة إلا وهي مبنية أساسا على أن تسمح للماء بالمرور في اتجاه واحد، فالقلب فيه دسامات خطيرة جداً.. وطبيب صنع دسَّاماً تقليداً عرضه بمئة وخمسين ألف ليرة، فإذا واحد دسامه تعطل يركب واحداً اصطناعياً، يخدمه سنتين فقط، ويحتاج بعدها لعملية ثانية، ولدسام آخر.. على كلٍ تفتح الوريقات هكذا، وتغلق، لكن الطبيب رأى في ظهر الوريقة كرية لحم صغيرة، لماذا هذه ؟ كرية لحم في ظهر الوريقة استأصلها من حيوان فتوفى الحيوان، فهل حياة الحيوان مرتكزه على هذه الوريقة الصغيرة، بقدر رأس الدبوس ؟ ثم اكتشف بعد ذلك أن هذه الوريقة حينما تنفتح هكذا لئلا تشكل مع جدار الشريان سطح تماس فتلتصق، هذه الكريَّة تشكل مع الجدار نقطة تماس، فتعود إلى مكانها..
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
( سورة لقمان:11 )
ويوجد مليون جهاز، ومليون قضية بجسمنا، وهذا شيء معقد جداً، فهذا الطفل لما يولد ففي الأذينين مفتوح ثقب بينهما، وهو ثقب بوتال، في الرحم لا يوجد في تنفس، ولا يوجد هواء، والرئتان معطلتان، وجهاز التنفس معطل، إذاً كيف تتم الدورة الصغرى ؟ من أذين، من بطين، للرئة، لأذين، عن طريق الرئتين، الرئة معطلة في الرحم، إذاً الله عزَّ وجل فتح فتحة بين الأذينين، يمر الدم مباشرةً، وحينما يولد المولود ـ هكذا قال الأطباء ـ تأتي جلطة فتغلق هذا الثقب، فأي يد تدخل إلى الداخل، وسط الأذين ؟ وتأتي جلطة، فمن ربُّها ؟ ومن سيَّرها ؟ تغلق، وإذا لم يغلق الثقب ؟ فربنا عزَّ وجل أعطانا أدلة، يترك لنا كل مئة ألف حالة، حالة واحدة اسمها داء الزرق، طفل لونه أزرق، فالدم بدلاً من أن يذهب إلى الرئة لينقى من غاز الفحم، ويأخذ غاز الأكسجين، يذهب إلى الأقرب لأنه يوجد ضغط، وانقباض، وهناك فتحة صغيرة، فلما ينضغط القلب عوضاً عن الدم لا يذهب إلى الرئتين بل يذهب للأذين الثاني، فيصير دمه أزرق، ويظل الطفل دائماً لونه أزرق، وأعرف صديقاً ابنه أصيب بهذا المرض، وقد توفي وهو في الثانية عشرة، يصعد الدرج كل ثماني درجات يطلعهم في خلال ساعة، لا يوجد عنده قوة على الإطلاق، فيدُ من دخلت إلى القلب فأغلقت هذا الثقب ؟ الله سبحانه وتعالى، فلذلك ربنا عزَّ وجل قال:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ﴾
مليون جهاز بيد الله عزَّ وجل، إذا آمنت أن يد الله عزَّ وجل، فالمطابقة هل هي سهلة ؟ عدسة مرنة، وعضلات هدبية دقيقة جداً، وهذا الشكل أو هذا الجسم على مدى أربعين متراً، كأن هذه العضلات عاقلة المسافة أربعين متراً، خيال الجسم يقع خلف الشبكية، إذاً تنضغط هذه العدسة بحيث يقع الخيال على الشبكية، فيد مَن ؟ فالمطابقة وحدها عملٌ معجز، وكل إنسان عنده مطابقة.
هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
فيا أيها الإخوة الأكارم، نهاية العلم أن ترى أنه لا إله إلا الله، ونهاية العمل أن تعبده، ونهاية العلم أن توحِّدَهُ، ونهاية العمل أن تعبده، فإذا جمع الله عزَّ وجل في هذه الآية فحوى رسالات الأنبياء من دون استثناء، فهذه هي الآية، فلو قال لك أحدهم: أخي لخّص لي فحوى رسالات السماء كلها، فاتلُ عليه الآية:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
فإذا وحدته وعبدته نجوت من عذابه، وسعدت بقربه وفي جنته.
والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.nouray.com/
 
وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى نوراي :: منتدى الدكتور مصطفى محمود :: فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي-
انتقل الى: