سورة التكوير

    avatar
    نوراي

    المساهمات : 2638
    تاريخ التسجيل : 02/12/2017

    سورة التكوير Empty سورة التكوير

    مُساهمة من طرف نوراي في الإثنين 27 أغسطس 2018 - 11:50

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَ إِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) و إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) و إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)

    شرح المفردات

    تكوير الشمس: لفها كتكوير العمامة و المراد منه اختفاؤها عن الأعين و ذهاب ضوئها، و انكدار النجوم: انتثارها و تساقطها حتى تذهب و يمحى ضوؤها، و تسيير الجبال يكون حين الرجفة التي تزلزل الأرض، فتقطّع أوصالها و تفصل منها أجبالها، و تقذفها في الفضاء و العشار: واحدها عشراء (بضم العين وفتح الشين) و هي الناقة التي مضى على حملها عشرة أشهر، و هي أكرم مال لدى المخاطبين وقت التنزيل، قال الأعشى في المدح:

    هو الواهب المائة المصطفاة
    إما مخاضا و إما عشارا

    و تعطيلها: إهمالها و ذهابها حيث تشاء، لعظم الهول و شدة الكرب، حشرت: أي ماتت و هلكت، و تسجير البحار: تفجير الزلزال ما بينها حتى تختلط و تعود بحرا واحدا، زوّجت: أي قرنت الأرواح بأجسادها، الموءودة: هي التي دفنت و هي صغيرة، و قد كان ذلك عادة فاشية فيهم في الجاهلية، و كان ذوو الشرف منهم يمنعون من هذا حتى افتخر بذلك الفرزدق فقال:

    و منا الذي منع الوائدات
    و أحيا الوئيد فلم توءد

    يريد جدّه صعصعة، و كان يشتريهن من آبائهن، فجاء الإسلام و قد أحيا سبعين موءودة، و المراد بالصحف صحف الأعمال التي تنشر على العباد حين يقفون للحساب، كشطت: أي كشفت و أزيلت عما فوقها كما يكشط جلد الذبيحة عنها، سعرت: أي أوقدت إيقادا شديدا، أزلفت: أي أدنيت من أهلها و قربت منهم، ما أحضرت: أي ما أعدّ لها من خير أو شر.

    المعنى الجملي

    بدأ سبحانه هذه السورة الكريمة بذكر يوم القيامة، و ما يكون فيه من حوادث عظام، ليفخّم شأنه، و بين أنه حين تقع هذه الأحداث تعلم كل نفس ما قدمت من عمل خير أو شر، و وجدت ذلك أمامها مائلا، و رأت ما أعدّ لها من جزاء و تمنت إن كانت من أهل الخير أن لو كانت زادت منه، و إن كانت من أهل الشر أن لو لم تكن فعلته، و استبان لها أن الوعيد الذي جاء على ألسنة الرسل كان وعيدا صادقا، لا تهويل فيه و لا تضليل.

    الإيضاح

    ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) أي إذا كورت الشمس و أمحى ضوؤها و سقطت حين خراب العالم الذي يعيش فيه الحي في حياته الدنيا، و لا يبقى في عالمه الآخر الذي ينقلب إليه شيء من هذه الأجرام.

    ( وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) أي و إذا النجوم تناثرت و ذهب لألاؤها كما جاء في قوله: « وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ».

    ( وَ إِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ) أي و إذا الجبال قلعت عن الأرض و سيرت في الهواء حين زلزلة الأرض، فتقطع أوصالها و تقذف في الفضاء، و تمر على الرءوس مرّ السحاب و نحو الآية قوله تعالى: « وَ سُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا » وقوله تعالى: « وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً ».

    ( وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ) أي و إذا النوق العشار و هي أكرم الأموال لديهم، و أعزها عندهم - أهملت و لم يعن بشأنها لاشتداد الخطب، و فداحة الهول.

    و هذا على وجه المثل، لأن يوم القيامة لا تكون فيه ناقة عشراء، و لكن مثّل هول يوم القيامة بحال لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها و اشتغل بنفسه، قاله القرطبي.
    ( وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) أي ماتت و هلكت، تقول العرب إذا أضرّت السنة بالناس و أصابتهم بالقحط و الجدب، حشرتهم السنة: أي أهلكتهم، و هلاكها يكون من هول ذلك الحادث العظيم.

    ( وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ) أي فجر الزلزال ما بينها حتى اختلطت و عادت بحرا واحدا و هذا على نحو ما جاء في قوله: « وَ إِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ».

    و قد يكون المراد من تسجيرها إضرامها نارا. فإن ما في باطن الأرض من النار يظهر بتشققها و تمزّق طبقاتها العليا، و حينئذ يصير الماء بخارا، و لا يبقى إلا النار.

    و قد أثبت البحث العلمي غليان البراكين، و هي جبال النار التي في باطن الأرض، و تشهد لذلك الزلازل الشديدة التي تشق الأرض والجبال في بعض الأطراف كما حدث في مسّينا بإيطاليا سنة 1909 م، و حدث في اليابان بعد ذلك.

    و جاء في بعض الأخبار « إن البحر غطاء جهنم ».

    و بعد أن عدد ما يحدث من مقدمات الفناء و بطلان الحياة في الأرض و امتناع المعيشة فيها - أخذ يذكر ما يكون بعد ذلك من البعث والنشور فقال:

    ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) أي و إذا زوجت الأرواح بأبدانها حين النشأة الآخرة، قاله عكرمة و الضحاك و الشعبي.

    و في هذا إيماء إلى أن النفوس كانت باقية من حين الموت إلى حين المعاد، فبعد أن كانت منفردة عن البدن تعود إليه.

    ( وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) أي وإذا سئلت الموءودة بين يدي وائدها عن السبب الذي لأجله قتلت، ليكون جوابها أشد وقعا على الوائد، فإنها ستجيب أنها قتلت بلا ذنب جنته.

    و قد افتنّ العرب في الوأد، فمنهم من كان إذا ولدت له بنت و أراد أن يستحييها و لا يقتلها، أمسكها مهانة إلى أن تقدر على الرعي، ثم ألبسها جبة من صوف أو شعر و أرسلها في البادية ترعى إبله، و إن أراد أن يقتلها تركها حتى إذا كانت سداسية قال لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء حتى إذا بلغها قال لها انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها و يهيل عليها التراب حتى تسوى البئر بالأرض، ومنهم من كان يفعل ما هو أنكى و أقسى من ذلك.

    فيالله، ما أعظم هذه القسوة بقتل البريئات بغير جرم سوى خوف الفقر أو العار، و كيف استبدلت الرحمة بالفظاظة، و الرأفة بالغلظة، بعد أن خالط الإسلام قلوبهم، و محا وصمة هذا الخزي عنهم.

    ( وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) أي و إذا صحف الأعمال ظهرت للعاملين في موقف الحساب حتى لا يرتابوا فيها، و لا ينبغي أن نبحث عن تلك الصحف، لنعلم أهي على مثال الأوراق التي نكتب فيها في الدنيا، أم تشبه الألواح أو نحو ذلك مما جرى استعماله في الكتابة، فإن ذلك مما لا يصل إليه علمنا، و لم يجئ نص قاطع عن المعصوم ﷺ يفسر ذلك.

    ( وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ ) فلم يبق غطاء و لا سماء، و لم يوجد ما يطلق عليه اسم الأعلى والأسفل.

    ( وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ) أي و إذا جهنم التي يعاقب فيها أهل الكفر و الطغيان أوقدت إيقادا شديدا، فيكون ألم من يدخل فيها من أشد الآلام التي تحدث عن مسّ النيران للأجسام الحية، و قد جاء في سورة البقرة: « وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ ».

    ( وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ) أي و إذا الجنة أدنيت من أهلها: أي أعدت لنزولهم. و نحو الآية قوله تعالى: « وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ».

    ( عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ ) أي إذا حصل كل ما تقدم من الأحداث السالفة، تعلم كل نفس ما كان من عملها متقبلا و ما كان منه مردودا عليها، فكثير من الناس كانوا في الحياة الدنيا مغرورين بما تزينه لهم الشياطين، و سيجدون أعمالهم يوم القيامة غير مقبولة و لا مرضي عنها، بل هي مبعدة من الله مستحقة لغضبه فالذين يعملون أعمالهم رئاء الناس ليس لهم من عملهم إلا الجهد و المشقة، و لا تكون متقبلة عند ربهم، فعلينا أن ننظر إلى الأعمال بمنظار الشرع، و نزنها بميزانه الصحيح.

    و الله لا يتقبل من الأعمال إلا ما صدر عن قلب مليء بالإيمان، عامر بحبه و الرغبة في رضاه، و الحرص على أداء واجباته التي فرضها عليه.
    avatar
    نوراي

    المساهمات : 2638
    تاريخ التسجيل : 02/12/2017

    سورة التكوير Empty رد: سورة التكوير

    مُساهمة من طرف نوراي في الإثنين 27 أغسطس 2018 - 11:58

    فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) و ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَ ما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)

    تفسير المفردات

    الخنس: واحدها خانس، وهو المنقبض المستخفى يقال خنس فلان بين القوم إذا انقبض واختفى، والكنّس واحدها كانس أو كانسة من قولهم: كنس الظبى إذا دخل كناسه وهو بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر والمراد بالخنس الجوار الكنس: جميع الكواكب، وخنوسها: غيبوبتها عن البصر نهارا، وكنوسها: ظهورها للبصر ليلا، فهي تظهر في أفلاكها، كما تظهر الظباء في كنسها. وعسعس: أي أدبر، وتنفس: أسفر وظهر نوره، قال علقمة بن قرط:

    حتى إذا الصبح لها تنفّسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا

    والرسول: هو جبريل عليه السلام، وكريم: أي عزيز على الله، ذي قوة: أي في حفظه، مكين: أي ذي مكانة وجاه عند ربه يعطيه ما سأله يقال مكن فلان لدى فلان إذا كانت له عنده حظوة ومنزلة، ثمّ (بفتح الثاء) أي هناك، أمين: أي على وحيه ورسالاته، صاحبكم: هو محمد ﷺ، بالأفق المبين: أي بالأفق الواضح، وضنين: أي بخيل، رجيم: أي مرجوم مطرود من رحمة الله، فأين تذهبون: أي أي مسلك تسلكون وقد قامت عليكم الحجة، أن يستقيم: أي على الطريق الواضح.

    المعنى الجملي

    بعد أن ذكر من أحوال يوم القيامة وأهوالها ما ذكر، وبيّن أن الناس حينئذ يقفون على حقائق أعمالهم في النشأة الأولى، ويستبين لهم ما هو مقبول منها وما هو مردود عليهم - أردف ذلك بيان أن ما يحدّثهم به الرسول ﷺ هو القرآن الذي أنزل عليه وهو آيات بينات من الهدى، وأن ما رميتموه به من المعايب كقولكم: إنه ساحر أو مجنون، أو كذاب، أو شاعر ما هو إلا محض افتراء، وأن لجاجكم في عداوته وتألّبكم عليه ما هو إلا عناد واستكبار، وأنكم في قرارة نفوسكم عالمون حقيقة أمره، ودخيلة دعوته.

    الإيضاح

    (فَلا أُقْسِمُ) تقدم أن قلنا إن هذه عبارة للعرب في القسم تريد بها تأكيد الخبر كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم، وكأنه يقول: أنا لا أقسم بكذا وكذا على إثبات ما أذكره، ولا على وجوده فهو واضح جلي ليس في حاجة إلى الحلف والمراد به القسم المؤكد.

    (بِالْخُنَّسِ. الْجَوارِ الْكُنَّسِ) أي بالكواكب جميعها، وهي تخنس بالنهار فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل: أي تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها وقد أقسم بها سبحانه، لما في حركاتها وظهورها طورا واختفائها طورا آخر من الدلائل على قدرة مصرّفها، وبديع صنعه، وإحكام نظامه.

    ويرى بعض العلماء أن المراد بها الدراري الخمسة وهي: عطارد، والزّهرة، والمرّيخ، والمشترى، وزحل، لأنها تجرى مع الشمس، ثم ترى راجعة حتى تختفى في ضوئها، فرجوعها في رأي العين هو خنوسها، واختفاؤها هو كنوسها.

    (وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ) أي والليل إذا أدبر وولى، وفى إدباره زوال الغمّة التي تغمر الأحياء، بانسدال الظلمة وانحسارها.

    (وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) أي والصبح إذا أسفر وظهر نوره، وفى ذلك بشرى للأنفس بحياة جديدة في نهار جديد، إذ تنطلق الإرادات، لتحصيل الرغبات، وسدّ الحاجات، واستدراك ما فات، والاستعداد لما هو آت.

    ثم ذكر المحلوف عليه فقال:

    (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ) أي إن ما أخبركم به محمد ﷺ من أمر الساعة ليس بكهانة ولا اختلاق، بل هو قول نزل به جبريل وحيا من ربه، وإنما كان قوله لأنه هو الذي حمله إلى النبي ﷺ: وقد وصف هذا الرسول بخمسة أوصاف:

    (١) (كَرِيمٍ) أي عزيز على ربه، إذ أعطاه أفضل العطايا، و هي الهداية و الإرشاد، و أمره أن يوصلها إلى أنبيائه ليبلغوها لعباده.

    (٢) (ذِي قُوَّةٍ) في الحفظ و البعد عن النسيان و الخطأ، و قد جاء في آية أخرى: « عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ».

    (٣) (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) أي ذي جاه و منزلة عند ربه يعطيه ما سأل.

    (٤) (مُطاعٍ ثَمَّ) أي هو مطاع عند الله في ملائكته المقربين، فهم يصدرون عن أمره، ويرجعون إلى رأيه.

    (5) (أَمِينٍ) على وحي ربه ورسالاته، قد عصمه من الخيانة فيما يأمره به، وجنّبه الزلل فيما يقوم به من الأعمال.

    وبعد أن وصف الرسول وصف المرسل إليه فقال:

    (وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) أي و ليس محمد ﷺ بالمجنون كما كانت ترميه قريش بذلك حين كانت تسمع منه غريب الأخبار عن اليوم الآخر مما لم يكن معروفا لهم كما حكى عنهم في قوله تعالى: « أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ. ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ » و قوله تعالى: « أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ » وقوله تعالى: « قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ».

    و في التعبير (بِصاحِبِكُمْ) استدلال عليهم، و إقامة للحجة على كذبهم في دعواهم، فإنه إذا كان صاحبهم، و كانوا قد خالطوه و عاشروه، و عرفوا عنه ما لم يعرفه سواهم من استقامة، و صدق لهجة، و كمال عقل، و وفور حلم، و تفوّق على جميع الأنداد و الأتراب في صفات الخير - لم يكن ادّعاؤهم عليه ما يناقض ذلك إلا باطلا من القول و زورا.

    (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) أي و إن محمدا ﷺ رأى جبريل عليه السلام بالأفق الأعلى، و قد تمثل له جبريل عليه السلام في مثال يظهر و يبصر، فتجلى لعينيه، و أعلم أنه جبريل فعرفه.

    و قد ذكرت هذه الرؤية في سورة النجم في قوله تعالى: « ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى. أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى. وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ».

    (وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) أي و ليس محمد بالمتهم على القرآن و ما فيه من قصص و أنباء و أحكام، بل هو ثقة أمين لا يأتي به من عند نفسه، و لا يبدل منه حرفا بحرف، و لا معنى بمعنى، إذ لم يعرف عنه الكذب في ماضي حياته، فهو غير متّهم فيما يحكيه عن رؤية جبريل و سماع الشرائع منه.

    ثم نفى عنه فرية أخرى كانوا يتقوّلونها عليه فقال:

    ( وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ) أي و ما هذا الذي يتكلم به محمد بقول ألقاه، الشيطان - لعنه الله-، على لسانه حين خالط عقله كما تزعمون، فإنه قد عرف بصحة العقل، و بالأمانة على الغيب، فلا يكون ما يحدّث به من خبر الآخرة و الجنة و النار من قول الشياطين.

    و قد حكى الله سبحانه عن الأمم جميعا أنهم رموا أنبياءهم بالجنون فقال: « كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ».

    ثم ذكر أنهم قوم قد ضلوا طريق التدبر، و جهلوا سبيل الحكمة فقال:

    (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) أي فأي سبيل تسلكونها و قد سدّت عليكم السبل، و أحاط بكم الحق من جميع جوانبكم، و بطلت مفتريانكم، فلم يبق لكم سبيل تستطيعون الهرب منها.

    ثم بيّن حقيقة القرآن العظيم فقال تعالى:

    (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) أي و ما هذا القرآن إلا عظة للخلق كافة يتذكرون بها ما غرز في طباعهم من حب الخير، و إنما أنساهم ذكره ما طرأ عليهم بمقتضى الإلف و العادة من ملكات السوء التي تحدثها أمراض البيئة و المجتمع، و القدوة السيئة.

    ثم بيّن أنه لا ينتفع بهذه النظم كل العالمين فقال:

    (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) أي إنه ذكر يتذكر به من وجّه إرادته للاستقامة على جادّة الحق و الصواب أما من انحرف عن ذلك فلا يؤثر فيه هذا الذكر و لا يخرجه من غفلته.

    و الخلاصة - إن على مشيئة المكلف تتوقف الهداية، و قد فرض عليه أن يوجه فكره نحو الحق و يطلبه، و يجدّ في كسب الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

    ثم دفع توهم أن إرادة الإنسان مستقلة في فعل ما يريد، و له الاختيار التام فيما يفعل، وهو منقطع العلاقة في إرادته من سلطان ربه فقال:

    (وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) أي إن إرادتكم الخير لا تحصل لديكم إلا بعد أن يخلقها الله فيكم بقدرته، الموافقة لإرادته، فهو الذي يودع فيكم إرادة فعل الخير فتنصرف هممكم إليه، و لو شاء لسلبكم هذه الإرادة و جعلكم كالحيوانات لا إرادة لها.

    و في قوله: « رَبُّ الْعالَمِينَ » بيان لعلة هذا، فإنه لما كان رب العالمين، و هو الذي منحكم كل ما تتمتعون به من القوى كالإرادة و غيرها، و هو صاحب السلطان عليكم - كانت إرادتكم مستندة إلى إرادته، و خاضعة لسلطانه، فلو شاء أن يوجهها إلى غير ما وجهت له توجهت، و لو شاء أن يمحوها محيت، فله الأمر و له الحكم و هو على كل شيء قدير.


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 14 نوفمبر 2019 - 5:16