سورة الانشقاق

اذهب الى الأسفل

سورة الانشقاق  Empty سورة الانشقاق

مُساهمة من طرف نوراي في الأربعاء 29 أغسطس - 16:58



سورة الانشقاق

بسم الله الرحمن الرحيم

إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ (٢) وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَ أَلْقَتْ ما فِيها وَ تَخَلَّتْ (٤) و أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) وَ يَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) و أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَ يَصْلى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)

شرح المفردات

انشقت: أي تشقّقت بالغمام كما جاء في قوله: « وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ » و أذنت لربها: أي استمعت له كما قال:

صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به
وإن ذكرت بشرّ عندهم أذنوا

و حقّت: أي و حق لها أن تمتثل ذلك أي يجدر بها أن تكون كذلك، قال كثير:

فإن تكن العتبى فأهلا و مرحبا
و حقّت لها العتبى لدينا و قلّت

مدت: أي بسطت بزوال جبالها ونسفها حتى صارت قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وألقت ما فيها: أي ألقت ما في جوفها من الموتى والكنوز، وتخلت: أي خلت مما فيها فلم يبق فيها شيء، كادح: أي جاهد مجدّ. قال شاعرهم:

و مضت بشاشة كلّ عيش
و بقيت أكدح للحياة و أنصب

فملاقيه: أي فملاق له عقب ذلك، ينقلب: أي يرجع، أهله: أي عشيرته المؤمنين، وراء ظهره: أي بؤتاه بشماله من وراء ظهره، والثبور: الهلاك أي ينادى ويقول: وا ثبوراه أقبل فهذا أوانك، ويصلى: أي يقاسى، وسعيرا: أي نارا مستعرة، مسرورا: أي فرحا، يحور: أي يرجع قال لبيد:

و ما المرء إلا كالشهاب و ضوئه
يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

والمراد أنه لن يرجع إلى الله، بلى: أي بلى يحور ويرجع.

المعنى الجملي

بين سبحانه في أوائل هذه السورة أهوال يوم القيامة، فذكر أنه حين انشقاق السماء واختلال نظام العالم، وانبساط الأرض بنسف ما فيها من جبال، وتخليها عما في جوفها - يلاقى المرء ربه فيوفيه حسابه، وينقسم الناس حينئذ فريقين:

(١) فريق الصالحين البررة، و هؤلاء يحاسبون حسابا يسيرا و يرجعون مسرورين إلى أهلهم.

(٢) فريق الكفرة و العصاة، و هؤلاء يؤتون كتبهم وراء ظهورهم، ثم يصلون حر النار لأنهم كانوا فرحين بما يتمتعون به من اللذات و الجري وراء الشهوات، إذ كانوا يظنون أن لا بعث و لا حساب، و لا ثواب و لا عقاب.

الإيضاح

(إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) لفساد تركيبها واختلال نظامها، حينما يريد الله خراب هذا العالم بحدث من الأحداث، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من كوكب آخر، فيتجاذبان ويتصادمان، فيضطرب نظام العالم العلوي بأسره، ويحدث من ذلك غمام يظهر في مواضع متفرقة من هذا الفضاء الواسع.

(وَأَذِنَتْ لِرَبِّها) أي استمعت وانقادت لتأثير قدرته، وفعلت فعل المطواع الذي إذا أمر أنصت وأذعن وامتثل ما أمر به، وفي الحديث: « ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن ».

(وَ حُقَّتْ) أي و حق لها أن تمتثل لأنها مخلوقة من مخلوقاته وهي في قبضته، فإن أراد تبديد نظامها فعل ولم يكن لها أن تعصى إرادته.

(وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ) أي و إذا اضطربت الأرض و دكت جبالها، و تقطعت أوصالها، و فقدت ما بينها من التماسك، فليس لها هذا الاندماج المشاهد الآن بل تمدّ مدّ الأديم العكاظي كما روى عن ابن عباس (و الأديم: الجلد، و العكاظي: المدبوغ في عكاظ) والمراد أنه لا انشقاق فيها و لا اعوجاج.

(وَ أَلْقَتْ ما فِيها) أي رمت ما في جوفها من الناس والمعادن، وأخرجت كل ذلك إلى ظاهرها.

ونحو هذا قوله تعالى: « إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها. وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها » وقوله تعالى: « وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ » و قوله تعالى« إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ».

(وَ تَخَلَّتْ) أي خلت من جميع ما في جوفها، و ربما قذفته الحركة العنيفة إلى ما يبعد عن سطحها، فيخلو منه باطن الأرض وظاهرها، وهي في ذلك خاضعة لأوامر ربها، منقادة لمشيئته.

(وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ) أي واستمعت وأطاعت أوامره لأنها في قبضة القدرة الإلهية تصرّفها في الفناء، كما صرفتها في الابتداء.

و جواب « إِذَا » الذي صدّرت به السورة محذوف لإرادة التهويل على المخاطبين، فكأنه قيل: إذا كان الأمر كذا وكذا مما تقدم ذكره - ترون ما عملتم من خير أو شر فاكدحوا لذلك اليوم، تفوزوا بالنعيم.

وقصارى ذلك - وصف أحوال العالم يوم القيامة « يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ » وأنه يكون على غير حاله التي هو عليها في هذه الحياة، فتبدل الأرض غير الأرض والسموات غير السموات، ويبرز الناس للحساب على ما قدموا في حياتهم من عمل فيجازيهم على الإحسان إحسانا، وعلى الإساءة السوءى، وعلينا أن نؤمن بذلك كله، ونكل علم حقيقته، ومعرفة كنهه إلى الله تعالى الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) أي أيها الإنسان، إنك عامل في هذه الحياة ومجدّ في عملك، ومبالغ في إدراك الغاية إلى أن تنتهى حياتك، وإن كنت لا تشعر بجدك، أو تشعر به وتلهو عنه، وكل خطوة في عملك فهي في الحقيقة خطوة إلى أجلك، وهناك لقاء الله، فالموت يكشف عن الروح غطاء الغفلة ويجلو لها وجه الحق، فتعرف من الله ما كانت تنكره، ويوم البعث يرتفع الالتباس.

ويعرف كل عامل ما جرّ إليه عمله.

و الناس حينئذ صنفان:

(١) (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا. وَ يَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا) أي فأما من عرض عليه سجلّ أعماله وتناوله بيمينه، فإنه يحاسب أيسر الحساب، إذ تعرض عليه أعماله فيعرّف بطاعته وبمعاصيه، ثم يثاب على ما كان منها طاعة، ويتجاوز له عما كان منها معصية.

و قد روى عن عائشة- رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: « اللهم حاسبني حسابا يسيرا، قلت: و ما الحساب اليسير؟ قال: ينظر في كتابه و يتجاوز عن سيئاته، فأما من نوقش الحساب فقد هلك ».

و من حوسب هذا الحساب اليسير رجع إلى أهله المؤمنين مسرورا مبتهجا قائلا: « هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ».

(٢) (وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ. فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا. وَ يَصْلى سَعِيرًا) أي و أما الذين أكثروا من ارتكاب الجرائم، و اجتراح المعاصي، فيؤتون كتبهم بشمائلهم من وراء ظهورهم، و مدّ اليسار إلى الكتاب دليل الكراهة، و أظهر في الدلالة على الكراهة و النفور أن يستدبره و يعرض عنه فيكون من وراء ظهره.

و قصارى ما سلف - إن من عرض عليه كتابه و قدم إليه ليأخذه، فاندفع إليه بعزيمة صادقة، لشعوره بأنه مستودع الصالحات، و سجلّ البر و الكرامات، فشأنه كذا وكذا.

و من قدّم إليه كتابه و عرض عليه عمله، فخزيت نفسه و خارت عزيمته، فمد إليه يساره أو أعرض عنه فولاه ظهره لشعوره بأنه ديوان السيئات، و سجّين المخازي فأمره كيت و كيت.

يرشد إلى ذلك ما ورد من التفصيل في سورة الحاقة « فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ » و دعوة الناس إلى القراءة علامة الفرح و النشاط و قوة العزيمة. « وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَ لَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ. يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ. ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ».

و لا شك أن هذا قول المخذول الكاره لما عرض عليه.

و الخلاصة - إن إيتاء الكتاب باليمين، أو باليسار أو من وراء الظهر تصوير لحال المطلع على أعماله في ذلك اليوم، فمن الناس من إذا كشف له عمله ابتهج و استبشر و تناول كتابه بيمينه، و منهم من إذا تكشفت له سوابق أعماله عبس و بسر و أعرض عنها و أدبر، و تمنى لو لم تكشف له، و تناولها باليسار أو من وراء الظهر، و حينئذ يدعو ثبوراه، أي يا هلاك أقبل فإني لا أريد أن أبقى حيا، علما منه بأن ذلك داع إلى طول العذاب، و أنه سيدخل النار و يقاسى سعيرها.

ثم ذكر سبحانه سببين في استحقاقه للعذاب في الآخرة فقال:

(١) (إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا) أي لأنه كان في حياته الدنيا فرحا بطرا لا يفكر في أمور الآخرة، و يقدم على المعاصي ظنا منه أن لذاتها لا توجب الحسرة، و لا تورث التردي في نار الجحيم، و من ثم أبدله الله بهذا النعيم الزائل عذابا لا ينقطع، و آلاما لا تنفد.

(٢) (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) أي إنه ظن أن لن يرجع إلى ربه، و أنه لن يبعث الخلق لحسابهم على ما قدموا، و لو علم أن الله سيبدل سروره هما، و فرحه حزنا و غما - لأقلع عما هو فيه، و لترك هذا السرور العاجل السريع الفناء و طلب من السرور ما يبقى ما بقيت الجنة التي لا يفنى نعيمها و لا يزول سرور أهلها.

و في الآية إيماء إلى أن المسخرين لشهواتهم، الساعين وراء لذاتهم ليسوا بظانين فضلا عن أن يكونوا مستيقنين بأنهم يرجعون إلى ربهم ليحاسبهم، بل الراجح عندهم أنهم لا يحاسبون، و أن الله مخلف وعده، و هذا هو الذي ينسيهم ذكره عند كل جرم يجرمونه، فهم و إن كانوا يزعمون الإيمان بالله و بوعده و وعيده، فهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.

ثم رد عليه ظنه الخاطئ فقال:

(بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا) أي بلى ليحورنّ و ليرجعنّ إلى ربه، و ليحاسبنه على عمله، فيجزى على الخير خيرا و على الشر شرا، فإن الذي يخلق الإنسان مستعدّا لما لا يتناهى من الكمال، بما وهبه من العقل، لا ينشئه هذه النشأة الرفيعة لتكون غايته غاية سائر الحيوان، بل تقضي حكمته أن يجعل له حياة بعد هذه الحياة يثمر فيها أعماله، و يوافي فيها كماله.



فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَ اللَّيْلِ وَ ما وَسَقَ (١٧) وَ الْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) و إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)

شرح المفردات

الشفق: هو الحمرة التي تشاهد في الأفق الغربي بعد الغروب، و أصله رقة الشيء، يقال ثوب شفق: أي لا يتماسك لرقته، و منه أشفق عليه: أي رق له قلبه قال:

تهوى حياتي و أهوى موتها شفقا
و الموت أكرم نزّال على الحرم

و سق: أي ضم و جمع، يقال وسقه فاتسق و استوسق: أي جمعه فاجتمع، و إبل مستوسقة: أي مجتمعة قال:

إن لنا قلائصا حقائقا مستوسقات لم يجدن سائقا

و اتسق أي اجتمع نوره و صار بدرا، لتركبنّ: أي لتلاقنّ، و الطبق: الحال المطابقة لغيرها، قال الأقرع بن حابس:

إني امرؤ حلبت الدهر أشطره
و ساقني طبق منه إلى طبق

و المراد لتركبن أحوالا بعد أحوال هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض، وهي الموت وما بعده، لا يسجدون: أي لا يخضعون ولا يستكينون، يوعون: أي يجمعون في صدورهم من الإعراض والجحود والحسد والبغي، والبشارة: الإخبار بما يسر، واستعملت في العذاب تهكما، وممنون: أي مقطوع من قولهم منّ فلان الحبل إذا قطعه.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه أن الإنسان راجع إلى ربه فملاقيه ومحاسبه، إما حسابا يسيرا إن كان قد عمل الصالحات، أو حسابا عسيرا إن كان قد اجترح السيئات، أقسم بآيات له في الكائنات، ظاهرات باهرات، إن البعث كائن لا محالة، وإن الناس يلقون شدائد الأهوال حتى يفرغوا من حسابهم، فيصير كل أحد إلى ما أعد له من جنة أو نار.

و نحو الآية قوله: « بَلى وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ » وقوله تعالى: « يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا » فمن عجيب أمرهم أنهم لا يؤمنون به، وأعجب منه أنه إذا قرئ عليهم القرآن لا يخضعون له ولا يستكينون، لأن العناد صدهم عن الإيمان، ومنعهم من الإذعان، والله أعلم بما تكنه صدورهم، وسيجازيهم بشديد العذاب.

أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم ثواب عند ربهم لا ينقطع.

الإيضاح

(فَلا أُقْسِمُ) تقدم أن قلنا: إن العرب اعتادت أن تأتى بمثل هذا القسم حين يكون المقسم عليه أمرا ظاهرا لا يحتاج إلى التوكيد، فكأنه سبحانه يقول: لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات ما أذكره لكم لأن أمره ظاهر، وثبوته غير محتاج إلى الحلف عليه.

ويرى بعض العلماء أنه إنما يستعمل حين يكون الحلف على أمر جليل القدر.

عظ الشأن لا يكفى القسم لإثباته. فكأنه سبحانه يقول: لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات ما أريد، لأن إثباته أعظم وأجلّ من أن يقسم عليه بهذه الأمور الهينة والغرض على هذا الوجه تعظيم المقسم عليه وتفخيم شأنه.

(بِالشَّفَقِ. وَ اللَّيْلِ وَ ما وَسَقَ. وَ الْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ) أي أقسم بهذه الأشياء التي إذا تدبر الإنسان أمرها، استدل بجلالها و عظمة شأنها على قدرة مبدعها.

(لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) أي لتلاقنّ أيها الناس أمورا بعد أمور وأحوالا بعد أحوال، إلى أن تصيروا إلى ربكم وهناك الخلود في جنة أو نار.

و يدخل في هذه الأحوال جميع الأطوار التي مرت به منذ أن كان نطفة في بطن أمه إلى أن صار شخصا، وما مرّ به في حياته الأولى من طفولة وشيخوخة ثم موته ثم حشره للحساب، ثم مصيره إلى الجنة أو النار.

والخلاصة - لتركبنّ حالا بعد حال والحال الثانية تطابق الأولى، أي لتكونن في حياة أخرى تماثل هذه الحياة التي أنتم فيها وتطابقها من حيث الحس والإدراك، والألم واللذة، وإن خالفت في بعض شئونها الحياة الأولى.

وبعد أن ذكر الأدلة القاطعة على صحة البعث والحساب أنكر عليهم استبعادهم له فقال:

(فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ؟) أي فأي شيء حدث لهم حتى جحدوا قدرة الله وأنكروا صحة البعث، وكل شيء أمامهم ينادى بباهر قدرته، ويرشد إلى عظيم سلطانه.

و قصارى ذلك - إنه لا شبهة لهم يصح أن يستمسكوا بها على إنكار البعث والحساب.

(وَ إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) أي وماذا حدث لهم حتى صاروا إذا قرئ عليهم القرآن لا يعترفون بإعجازه، وبلوغه الغاية التي لا يمكن البشر أن يصلوا إليها فأمرهم عجب، فهم أهل اللسان و أرباب البلاغة و البراعة، و هذا يقتضى أن يعلموا إعجازه، و متى علموه استكانوا و خضعوا له، و أدركوا صحة نبوة الرسول الذي جاء به، و وجبت عليهم طاعته.

ثم بين السبب في عدم إيمانهم به وانقيادهم له فقال:

(بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) أي إن الدلائل الموجبة للإيمان جلية واضحة، لكنهم قوم معاندون مصرّون على التكذيب إما لأنهم يحسدون الرسول ﷺ على ما آتاه الله من فضله، وإما لخوفهم من فوت المناصب الدينية، والرياسات التقليدية، وإما لأنهم يأبون أن يخالفوا ما وجدوا عليه آباءهم من عقائد زائفة، و أفعال مستهجنة.

(وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ) أي و الله سبحانه مطلع على ما في قلوبهم من أسباب الإصرار على الشرك ودواعى العناد والاستمرار على ما هم عليه.

(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) جزاء إعراضهم على التكذيب والجحود، وإصرارهم على سيىء العمل، وفاسد الاعتقاد.

(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي لكن الذين آمنوا بالله ورسوله وخضعوا للقرآن الكريم و عملوا بما جاء فيه، فأولئك لهم أجر لا ينقطع مدده، و لا ينقص منه.

و في هذا ترغيب في الطاعة، و زجر عن المعصية، و الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيد المرسلين.


نوراي

المساهمات : 2627
تاريخ التسجيل : 02/12/2017

https://www.nouray.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى