سورة الطارق

اذهب الى الأسفل

سورة الطارق  Empty سورة الطارق

مُساهمة من طرف نوراي في الخميس 30 أغسطس - 11:30

بسم الله الرحمن الرحيم

و السَّماءِ وَ الطَّارِقِ (١) وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)

شرح المفردات

السماء: كل ما علاك فأظلك، الطارق: هو الذي يجيئك ليلا، النجم الثاقب: هو الذي يثقب ضوؤه الظلام كأن الظلام جلد أسود و النجم يثقبه، حافظ: أي رقيب يراقبها في أطوار وجودها، وهو الله تعالى.

المعنى الجملي

أقسم سبحانه في مستهل هذه السورة بالسماء و نجومها الثاقبة - إن النفوس لم تترك سدى و لم ترسل مهملة، بل قد تكفل بها من يحفظها و يحصى أعمالها و هو الله سبحانه.

و في هذا وعيد للكافرين و تسلية للنبي ﷺ و أصحابه، فكأنه يقول لهم: لا تحزنوا لإيذاء قومكم لكم، و لا يضق صدركم لأعمالهم، و لا تظننّ أنا نهملهم و نتركهم سدى، بل سنجازيهم على أعمالهم بما يستحقون، لأنا نحصى عليهم أعمالهم

و نحاسبهم عليها يوم يعرضون علينا « فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا » و العدّ إنما يكون للحساب و الحزاء.

الإيضاح

(وَ السَّماءِ) أكثر في القرآن الحلف بالسماء و بالشمس و بالقمر و بالليل، لأن في أحوالها و أشكالها و سيرها و مطالعها و مغاربها من عجائب و غرائب - دلائل لمن يتدبر و يتفكر بأن لها خالقا مدبرا يقوم بشئونها و يحصى أمرها، لا يشركه سواه في هذا الإبداع و الصنع.

(وَ الطَّارِقِ) أي الكوكب البادي ليلا.

(وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ؟) يقولون: وما أدراك ما كذا أي و أي شيء يعلمك حقيقته؟ و هو أسلوب من كلامهم يراد به التفخيم و التعظيم، كأنه في فخامة أمره لا يمكن الإحاطة به و لا إدراكه.

ثم فسر هذا الطارق بقوله تعالى:

(النَّجْمُ الثَّاقِبُ) أي لا أقسم بكل طارق من الكواكب، بل أقسم بطارق معين هو النجم المضيء الذي يثقب الظلام و نهتدى به في ظلمات البر و البحر، و نقف به على أوقات الأمطار و غيرها من أحوال يحتاج إليها الإنسان في معاشه، و هو الثريا عند جمهرة العلماء، و يرى الحسن أن المراد كل كوكب لأن له ضوءا ثاقبا لا محالة.

ثم ذكر المقسم عليه فقال:

( إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ) أي أقسم بالسماء و بالنجم الثاقب إن لعلى النفوس لرقيبا يحفظها و يدبر شئونها في جميع أطوار وجودها حتى ينتهى أجلها، و ذلك الحافظ و الرقيب هو ربها المدبر لشئونها، المصرّف لأمورها في معاشها و معادها.



فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَ لا ناصِرٍ (١٠)

شرح المفردات

دافق: أي منصبّ بدفع و سيلان و سرعة، و الصلب: الظهر، و الترائب: عظام صدر المرأة، و المراد من بين صلب الرجل و ترائب المرأة، وقال الحسن و روى عن قتادة: يخرج من صلب كل واحد من الرجل و المرأة، و ترائب كل منهما و هو الموافق لما أثبته العلم حديثا كما سيأتي، و رجعه: أي إعادته، تبلى: أي تختبر و تمتحن و المراد تظهر، و السرائر: ما يسرّ في القلوب من العقائد و النيات و ما خفي من الأعمال، واحدها سريرة، قال الأحوص:

سيبقى لها في مضمر القلب والحشا
سريرة ودّ يوم تبلى السرائر

المعنى الجملي

بعد أن بيّن سبحانه أن الإنسان لم يترك سدى، و لم يخلق عبثا نبهه إلى الدليل الواضح على صحة معاده، و أنه لا بد أن يرجع إلى ربه ليجازيه على ما عمل، فذكّره بنفسه، و لفت نظره إلى كيفية خلقه و منشئه، و أنه خلق من الماء الدافق الذي لا تصوير فيه، و لا تقدير للآلات التي يظهر فيها عمل الحياة كالأعضاء و غيرها، ثم أنشأه خلقا كاملا مملوءا بالحياة و العقل و الإدراك، قادرا على القيام بالخلافة في الأرض.

فالذي خلقه على هذه الأوضاع قادر أن يعيده إلى الحياة في يوم تتكشف فيه المستورات، و تبين الخفايا، فيكون إبداؤها زينا في وجوه بعض الناس، و شينا في وجوه بعض آخرين، و ليس للمرء حينئذ قوة يدفع بها عن نفسه ما يحل به من العذاب، و لا ناصر يعينه على الخلاص من الآلام.

الإيضاح

(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ؟) أي فلينظر بعقله، و ليتدبر في مبدأ خلقه ليتضح له قدرة واهبه، و أنه إذا قدر على إنشائه من موادّ لم تشمّ رائحة الحياة قط فهو على إعادته أقدر فليعمل بما به يسرّ حين الإعادة.

ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله:

(خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ) أي خلق من ماء مدفوق يخرج من الظهر و الترائب لكل من الرجل و المرأة، فهو إنما يكون مادة لخلق الإنسان إذا خرج من بين الرجل و المرأة و وقع في رحم المرأة.


وَ السَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) و أَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)

شرح المفردات

الرجع: إعادة الشيء إلى حال أو مكان كان فيه أوّلا، والمراد به المطر، وسمى بذلك لكونه يعاد إلى الأرض من السماء، والصدع: الشق الناشئ من تفرق بعض أجزاء الأرض وانفصال بعضها من بعض بالنبات، فصل: أي يفصل بين الحق والباطل، ويقطع الجدل والمراء، يكيدون كيدا: أي يعملون المكايد في إبطال أمره، وإطفاء نوره، وأكيد كيدا: أي أقابلهم بكيدى في إعلاء أمره، وانتشار نوره، رويدا: أي قريبا.

المعنى الجملي

بعد أن بين قدرته تعالى على إعادة الإنسان بعد الموت، ولفت النظر إلى التدبر في برهان هذه القدرة - شرع يثبت صحة رسالة رسوله الكريم إلى الناس، وصحة ما يأتيهم به من عند الله، وأهمّ ذلك القرآن الكريم الذي كانوا يقولون عنه: إنه أساطير الأولين، فأقسم بالسماء التي تفيض بمائها، والأرض التي تقيم أمور المعاش للناس والحيوان بنباتها، إنه لقول حق لا ريب فيه.

ثم بين أنه عليم بأن الذين يدافعون عن تلك الأباطيل التي هم عليها - قوم ما كرون لا يريدون بك إلا السوء، وسيأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، فلا يحزنك ما ترى منهم، ولا تستبطئ حلول النكال بهم، بل أمهلهم قليلا وسترى ما سيحل بهم.

ولا يخفى ما هذا من وعيد شديد بأن ما سيصيبهم قريب، سواء أكان في الحياة الدنيا أو فيما بعد الموت، ووعد للنبي ﷺ، ولكل داع إلى الحق بأنهم سيبلغون من النجاح ما يستحقه عملهم، وأن المناوئين لهم هم الخاسرون.

الإيضاح

(وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ) أي قسما بالسماء ذات المطر، وهو أنفع شيء ينتظره المخاطبون من السماء، إذ يبدّل جدبهم خصبا، ويعيد موات أرضهم حيّا، ويصير به لهب صحرائهم هواء عليلا.

(وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ) أي والأرض التي تتصدع بالنبات والشجر والثمار مما به حياتهم وحياة أنعامهم، وهم في بلاد قفراء جدباء.

ونظير هذا قوله: « ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا » الآية.

ثم ذكر المقسم عليه فقال:

(إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ. وَما هُوَ بِالْهَزْلِ) أي قسما بالسماء والأرض إن هذا القول الذي جاءكم به محمد ﷺ لقول حق لا مجال للريب فيه، وهو جدّ لا هزل فيه فمن حقه أن يهتدى به الغواة، وتخضع له رقاب العتاة.

أخرج الترمذي والدارمي عن علي كرم الله وجهه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: « إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ فيه الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضى عجائبه. هو الذي لم تنته الجن لما سمعته أن قالوا: « إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ » من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن هدى به هدى إلى صراط مستقيم ».

ثم بين ما يدبرونه للمؤمنين وما تحويه صدورهم من غلّ لهم فقال:

(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا) أي إنهم يمكرون بالناس بدعوتهم إلى مخالفة القرآن بإلقاء الشبهات كقولهم: « إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا » قولهم: « مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ » أو بالطعن فيه بكون الرسول ساحرا أو مجنونا أو شاعرا، أو تبييتهم قتله، كما جاء في قوله: « وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ ».

بعدئذ ذكر ما قابلهم ربهم به وما جازاهم عليه كفاء عملهم فقال:

(وَأَكِيدُ كَيْدًا) أي وأقابل كيدهم بنصر الرسول وإعلاء دينه، وجعل كلمته العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وقد سمى مجازاتهم كيدا منه، للتجانس في اللفظ كما قال: « نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ ». و قال عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا

ثم أمر رسوله أن يتأنى عليهم، ليرى أخذه تعالى لهم فقال:

(فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ) أي سر في دعوتك ولا تستعجل عذابهم، فإنا سنمهلهم ليزدادوا إثما، حتى إذا أخذناهم لم يبق لهم من راحم.

ثم أكد طلب الإمهال وأقته بوقت قريب فقال:

(أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) أي إنا سنمهلهم قليلا، وسترى ما يحل بهم من العذاب والنكال.

وفي هذا بعث للطمأنينة إلى قلوب المؤمنين الذين كانوا يخشون صولة الكفار ويحذرون اعتداءاتهم التي لا حد لها، وتخويف لهم من عاقبة إصرارهم على ما هم فيه من الكفر والمشاقّة لله ورسوله وللمؤمنين.

ونحو الآية قوله: « نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ ».

وصلّ الله ربنا و سلم على محمد و آله و صحبه، و قنا ربنا عذاب الجحيم.

نوراي

المساهمات : 2627
تاريخ التسجيل : 02/12/2017

https://www.nouray.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى