سورة العاديات

اذهب الى الأسفل

سورة العاديات  Empty سورة العاديات

مُساهمة من طرف نوراي في السبت 8 سبتمبر - 13:27

بسم الله الرحمن الرحيم

و الْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَ إِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) و حُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)

شرح المفردات

العاديات: واحدها عادية من العدو و هو الجري، و الضبح: صوت أنفاس الخيل حين الجري. قال عنترة:

والخيل تكدح حين تضبح
في حياض الموت ضبحا

و الموريات: واحدها مورية من الإيراء، و هو إخراج النار، تقول: أورى فلان إذا أخرج النار بزند و نحوه، و القدح: الضرب لإخراج النار كضرب الزناد بالحجر، و المغيرات: واحدها مغيرة من أغار على العدو إذا هجم عليه بغتة ليقتله أو يأسره، أو يستلب ماله، و الإثارة: التهييج و تحريك الغبار، و النقع: الغبار، وسطن: أو توسطن تقول وسطت القوم أسطهم وسطا: إذا صرت في وسطهم، و الكنود: الكفور، يقال كند النعمة أي كفرها و لم يشكرها و أنشدوا:

كنود لنعماء الرجال ومن يكن
كنودا لنعماء الرجال يبعّد

و أصل الكنود الأرض التي لا تنبت شيئا، شبه بها الإنسان الذي يمنع الخير و يجحد ما عليه من واجبات، لشهيد: أي لشاهد على كنوده و كفره بنعمة ربه، و الخير: المال كما جاء في قوله: « إِنْ تَرَكَ خَيْرًا »، لشديد: أي لبخيل، بعثر: أي بعث و أثير، و حصّل: أي أظهر محصلا مجموعا، ما في الصدور: أي ما في القلوب من العزائم و النوايا.

الإيضاح

(وَ الْعادِياتِ ضَبْحًا) أي قسما بالخيل التي تعدو و تجرى و يسمع لها حينئذ ضبح أي زفير شديد.

(فَالْمُورِياتِ قَدْحًا) أي و الخيل التي تخرج النار بحوافرها و يتطاير منها الشرر أثناء الجري.

(فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا) أي و الخيل التي تعدو لتهجم على العدو وقت الصباح، لأخذه على غير أهبة و استعداد.

(فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) أي فهيجن في الصبح غبارا لشدة عدوهن.

(فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) أي فتوسطن جمعا من الأعداء ففرقنه و شتتن شمله.

أقسم سبحانه بالخيل التي لها هذه الصفات، و التي تعمل تلك الأعمال، ليعلى من شأنها في نفوس عباده المؤمنين أهل الجد و العمل، و ليعنوا بتربيتها و تعويدها الكرّ و الفرّ، و ليحملهم على العناية بالفروسية و التدرب على ركوب الخيل و الإغارة بها ليكون كل امرئ مسلم منهم عاملا ناصبا إذا جدّ الجد و اضطرت الأمة إلى صد عدوّ أو بعثها باعث على كسر شوكته، يرشد إلى ذلك قوله في آية أخرى: « وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ ».

و في إقسام الله بها بوصف العاديات المغيرات الموريات - إشارة إلى أنه يجب أن تقنى الخيل لهذه الأغراض و المنافع لا للخيلاء و الزينة، و أن الركوب الذي يحمد ما يكون لكبح جماح الأعداء، و خضد شوكتهم، و صد عدوانهم.

و قصارى ذلك - إن للخيل في عدوها فوائد لا يحصى عدّها، فهي تصلح للطلب، و تسعف في الهرب، و تساعد جد المساعدة في النجاء، و الكر و الفر على الأعداء و قطع شاسع المسافة في الزمن القليل.

ثم ذكر المقسم عليه بتلك الأيمان الشريفة فقال تعالى:

(إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) أي إن الإنسان طبع على نكران الحق و جحوده و عدم الإقرار بما لزمه من شكر خالقه و الخضوع له إلا من عصمهم الله و هم الذين روّضوا أنفسهم على فعل الفضائل، و ترك الرذائل، ما ظهر منها و ما بطن.

روي أن النبي ﷺ قال: « الكنود الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده » أي إنه لا يعطى شيئا مما أنعم الله به عليه، ولا يرأف بعباده، كما رأف به، فهو كافر بنعمته، مجانف لما يقضى به العقل والشرع.

و سر هذه الجبلّة - أن الإنسان يحصر همه فيما حضره، و ينسى ماضيه، و ما عسى أن يستقبله، فإذا أنعم الله عليه بنعمة غرته غفلته، و قسا قلبه، و امتلأ جفوة على عباده.

(وَ إِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ) أي و إنه مع كنوده، و لجاجته في الطغيان، و تماديه في الإنكار و البهتان، إذا خلّى و نفسه رجع إلى الحق، و أذعن إلى أنه ما شكر ربه على نعمه، إلى أن أعماله كلها جحود لنعم الله، فهي شهادة منه على كنوده، شهادة بلسان الحال، و هي أفصح من لسان المقال.

(وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) أي و إن الإنسان بسبب محبته للمال و شغفه به و تعلقه بجمعه وادخاره - لبخيل شديد في بخله، حريص متناه في حرصه، ممسك مبالغ في إمساكه متشدد فيه، قال طرفة:

أرى الموت يعتام الكرام و يصطفى
عقيلة مال الفاحش المتشدّد

ثم هدد الإنسان الذي هذه صفاته و توعده بقوله تعالى:

( أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ. وَ حُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ؟. إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ) أي أفلا يعلم هذا الإنسان المنكر لنعم الله عليه، الجاحد لفضله و أياديه - أنه سبحانه عليم بما تنطوى عليه نفسه، و أنه مجازيه على جحده و إنكاره يوم يحصّل ما في الصدور و يبعثر ما في القبور؟

و قد عبر سبحانه عن مجازاتهم على ما كسبت أيديهم - بالخبرة بهم و العلم المحيط لأعمالهم، و هذا كثير في الكلام، تقول لشخص في معرض التهديد: سأعرف لك عملك هذا مع أنك تعرفه الآن قطعا، و إنما عرفانه الآتي هو ظهور أثر المعرفة و هو مجازاته بما يستحق، و قد جاء على هذا النسق قوله تعالى: « سَنَكْتُبُ ما قالُوا » مع أن كتابة أقوالهم حاصلة فعلا، فالمراد سنجازيهم بما قالوا الجزاء الذي هم له أهل، و الله أعلم.


نوراي

المساهمات : 2627
تاريخ التسجيل : 02/12/2017

https://www.nouray.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى